اليوم والمنطقة تشهد هذه التطورات الدقيقة التي وصفها الرئيس السوري بـ (المنعطف التاريخي) لا بد من وقفة تأمل تجاه هذه المعطيات التي ستؤثر على المنطقة العربية.
فمن الواضح أن القوى الغربية - وهي عادة غير منصفة تجاه منطقتنا - ترى المنطقة بمنظار مصالحها المرتبطة غالباً بالمصالح الإسرائيلية.
كما أن قوى إقليمية - مثل إيران - تنظر للأمور بمنظار مصالحها الاستراتيجية هي الأخرى، وتسعى لتعزيز نفوذها. لتستحضر على الأرض العربية سيناريوهات مواجهتها مع الغرب.
فأين تكون المصالح العربية بين هذه التجاذبات؟ وإلى أين تسير الأحداث في منطقتنا وهل فقدنا السيطرة على تحولات نحن المعنيون بها في المقام الأول.
من المؤسف أنه لا توجد حتى الآن استراتيجية عربية تحدد آفاق المصالح العربية وتضع القاعدة والآلية للتحرك تجاه الأهداف السياسية والاستراتيجية.
وقد يكون السبب في ذلك أن الأمور اتجهت نحو الاستقطاب الإيراني / الغربي. فاختار من اختار الانحياز إلى الحركة الإيرانية، وتوقف من توقف انتظاراً لنتائج الصراع حول الملف النووي.
ورغم أن سوريا تقع بموقع القلب من الأمة وهي الدولة المعنية بالصراع أكثر من غيرها. فقد ابتعدت عن الخط العربي الرسمي تارة بالمواقف وتارة بالتصريحات. وحاولت التماهي مع الرؤية الإيرانية. لتضع خبزها في سلة واحدة غير مضمونة النتائج.
ورغم ما صدر من دمشق تجاه الحكومات العربية المعتدلة، إلا أن الأمر لم يقابل بالمثل. فالجميع يتفهم الوضع السوري الدقيق وخياراته المحدودة. ودمشق لا يمكن تجاهلها وتركها عرضة للأخطار مهما تشنج الخطاب السياسي تارة باسم الشفافية وتارة باسم الصمود والتصدي.
وفي عز الانحياز السوري إلى إيران في الحرب العراقية / الإيرانية ظلت الجسور مفتوحة مع سوريا، على قاعدة اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. ثم انخرطت الأخيرة في مسيرة مدريد للسلام التي تعثرت فيما بعد.
إننا نعرف أن التحقيق الدولي في مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري يمثل هاجساً ضاغطاً على دمشق، إضافة إلى قلقها الدائم على الجولان المحتل. لكنه من المفيد في هذه المرحلة الصعبة سورياً وعربياً أيضا العناية الفائقة بالدبلوماسية وعدم الهروب من الأزمات إلى الأمام والاعتراف بأهمية الاعتدال السياسي في تنفيس الانغلاقات الدولية والإقليمية.
فالعرب لن يتركوا سوريا حتى وإن استهوتها الرومانسية الثورية. لكن على سوريا أن تساعد الآخرين وتخلص نفسها من التعقيدات اللبنانية الداخلية أولا لتظهر مدى حرصها على الاستقرار الإقليمي الذي ستكون أول المستفيدين منه، مع حقها بالاحتفاظ بالخيارات الأخرى المشروعة. لأن ذلك سيظهر دمشق كقوة مسؤولة.