مرة أخرى يعود الملف النووي الإيراني إلى واجهة الأحداث في ظل أوضاع إقليمية حاشدة بالتوترات، وفي ظل شد وجذب دوليين عنوانهما: لمن الأولوية في تقديم الحلول أو مبادرات التسوية؟! أو من أين ينبغي أن تبدأ ورشة العمل التي يراد لها أن تفرز أو تبلور شرق أوسط جديداً؟ من العراق المتعثر في حروبه الداخلية.
أم من أفغانستان التي تغرق يوماً بعد يوم أكثر فأكثر في رمالها المتحركة،أم من لبنان المكتشف من جديد من جانب المحافظين الجدد نموذجاً صالحاً لتعميم «الفوضى الخلاّقة»، أم من باب «الشرق الأوسط الكبير» أي أزمة الشرق الأوسط المزمنة، أعني القضية الفلسطينية، أم عود على بدء مع ملف إيران النووي الذي بات عنصراً وبعداً حاضراً على الدوام في كل الملفات الآنفة الذكر؟
هو صراع متعدد الأوجه بين واشنطن وطهران تعتبره الأخيرة عنواناً بل مفتاحاً مركزياً لاستقلالها وأمنها القومي، وبالتالي فهي لا تستطيع المساومة عليه ولا التفاوض من حوله إلا تحت سقف الاستقلال وصناعة قرارها الوطني.
ولما كانت طهران ترى في موضوعة التخصيب وبأيد إيرانية محلية وفوق الأراضي الإيرانية هي مفتاح صيانة هذا الاستقلال فإن المعركة السياسية مع واشنطن ستظل مفتوحة بلا سقف زمني محدد، قد تتراجع بعض الشيء لفترة بسيطة حسب الظروف وعناصر المد والجزر الإقليميين، لكنها سرعان ما تعود إلى الواجهة في أول فرصة تتفرغ فيها واشنطن لطهران أو تعجز عن تنفيذ خططها في الملفات الأخرى المشار إليها آنفاً.
اليوم وبعد توقف حرب الـ 33 يوماً المفتوحة بين تل أبيب وبيروت المدعومة برؤية أميركية «شرق أوسطية جديدة» بامتياز، تراود واشنطن بقوة فكرة التحضير لسيناريو ما بشأن الملف النووي الإيراني، وطهران بدورهاالتي تعتقد أنها ربحت حرب لبنان مرتين، مرة عندما أبعدت شبح الحرب المباشرة عليها ومرةعندما نجح حليفها اللبناني في كسر شوكة حليف وشريك واشنطن الاستراتيجي.
وبالتالي فإنها تعتبر نفسها في وضع مريح جداً مع بداية الجولة الجديدة من «النزال» الدبلوماسي والإعلامي والسياسي والدعائي والقانوني حول ملفها النووي، ومن هنا جاءت إجابتها وأعلنت عن ردها على مقترحات الرزمة الأوروبية «واثقاً» وحازماً ولكن منفتحاً أيضاً على كل التسويات.
طهران تقول إن مبدأ التفاوض حول وقف التخصيب لمدة زمنية محددة يمكن أن يكون مقبولاً على طاولة الحوار ولكن لا تقبل بذلك شرطاً مسبقاً للدخول في تفاصيل قبول رزمة المقترحات مطلقاً، والسبب في ذلك يكمن في أمرين أوثلاثة من وجهة نظر طهران:
أولاً: لا معنى لمفاوضات عنوانها المركزي مسألة التخصيب فيما يطالب أحد الأطراف الطرف الآخر بالتخلي عن هذه المسألة!
ثانياً: ان تجربة السنوات الثلاث الماضية مع الاتحاد الأوروبي الذي كان الطرف المفاوض نيابة عما يسمى بالمجتمع الدولي، لم تكن مشجعة أبداً حيث سادتها أجواء المماطلة والتسويف، وعندما حانت ساعة الوفاء بالوعد جاءت رزمة المقترحات والتي سميت بـ «المحفزات» خالية تماماً من أي أمر جوهري يستأهل التوقف عنده سواء في رزمة «المحفزات» الأولى في نهاية عهد الرئيس السابق محمد خاتمي أو الرزمة الجديدة أي (الحالية).
ثالثاً: وأخيراً فإن طهران تعتقد بأن موضوعة التخصيب وبعد أن باتت جزءاً لا يتجزأ من مقولة استقلالية القرار الوطني الإيراني، وأمنها القومي بعد تمكنها من امتلاك دورة نووية كاملة لا يمكن المفاوضة عليها إلا تحت سقف هذا الاستقلال والأمن القومي، ولا يمكن التفريط بها تحت طائلة التهديد والوعيد.
فإذا كانت واشنطن راغبة في البحث عن حل دبلوماسي وحواري لهذا الملف مستفيدة من تجربة الاتحاد الأوروبي السابقة فإن طهران حسب صنّاع القرار فيها مستعدة أتم الاستعداد لإيجاد الصيغة المناسبة شرط أن يبقى الملف في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، باعتبارها الجهة القانونية والشرعية الوحيدة المعنية باجتراح الحلول المناسبة مستعينة بأطراف المجتمع الدولي بما فيها واشنطن والمجموعة الأوروبية والصين وروسيا، أي مجموعة 5 + 1، بعيداً عن سياسة إملاء القرارات ووضع العربة أمام الحصان!
وأما إذا كانت واشنطن تبحث عن «تسييس» متعمد لهذا الملف ووضع إجباري له باعتباره ملفاً «شرق أوسطياً» بامتياز يدخل في صميم مخططات الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الموسّع، فإن طهران لن يبقى أمامها غير خيار استنفار جميع قواها لصد هذه «الهجمة» الدبلوماسية والإعلامية والدعائية والسياسية، وبالتالي عدم الثقة والاعتماد على أي قول أو تعهّد أو عهد أو رأي بل وعدم الاكتراث حتى بأي «قرار» صادر عن أية جهة دولية بما فيها مجلس الأمن الدولي، خاصة بعد أن تحول هذا المجلس إلى أداة طيِّعة بيد الولايات المتحدة الأميركية بامتياز، كما أثبتت التجارب الأخيرة ومنها لبنان.
وأخيراً وليس آخراً، فإن تجربة لبنان الأخيرة بالمناسبة لا تشجع كثيراً على الثقة بما بات يعرف بالمجتمع الدولي من جهة كماإنها ـ كما يفترض بها ـ قد أوصلت الرسائل البليغة لمن يهمه الأمر من أطراف «المجتمع الدولي» بأن أسلوب المواجهة العسكرية والحسم بوسائل التدمير الشامل، لم يعد ناجعاً في حل أية قضية خلافية في العالم، ناهيك عن قضية هي على «فوهة بركان» بالأساس، أكثر ما يتطلب لحلها الصبر والأناة والدراية والعقل، والتخلي عن سياسة التهديد والوعيد وفك «العقد» بالأسنان في وقت يمكن فكّها باليد واللسان.
كاتب إيراني
