من عَبّارات القتل إلى قطارات الموت، يستمر مسلسل الاستهوان بحياة المصريين الذين فقدوا الأسبوع الماضي أكثر من مئتي قتيل وجريح راحوا ضحية الإهمال وتفشي التسيب في مفاصل الجهاز الإداري والرقابي لدولاب الدولة.
عندما غرقت العبارة السلام في مياه البحر الأحمر الذي ابتلع أجساد أكثر من ألف شخص، ظن البعض ان الصدمة العنيفة التي عرت حجم القصور، ستكون كفيلة لإيقاظ من غطوا في نوم عميق من الإهمال الذي ساعد على تعشيش الفساد، لكن يبدو ان الأمر قد تجاوز كل الخطوط ولم تعد الصدمات العنيفة تجدي نفعا في التحذير من تكرار الكوارث.
حادث قطاري قليوب شمال القاهرة ليس الأول من نوعه في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل، وهو ما كاد ان يتكرر لو ان الحكومة وجهازها البيروقراطي العتيق وضعا وزنا لضحايا قطار الصعيد الذين تفحمت جثثهم عام 2002.
لكن يبدو ان الاستخفاف بحياة الفقراء بات شيئا عاديا في نظر أولئك الذين يسارعون الى إلقاء الاتهام قبل ان تجف دماء الضحايا، على سائقي القطارات وصغار الموظفين في وقت تبقى المسؤولية السياسية غائبة عن الحكومة بكامل وزرائها باعتبار ان تلك المسؤولية تضامنية بحكم القانون.
نعم هذه المرة أقيل رئيس هيئة السكك الحديدية من منصبه، لكن هل يعفي ذلك وزير النقل من المسؤولية او رئيس الوزراء من تبعات ما حدث؟!
نحن ازاء كارثة دفعت أرواح برئية فيها ثمن الإهمال والتسيب في واحد من أهم المرافق حيوية، التي يستخدمها نحو مليوني مصري يوميا على امتداد البلد بطولها وعرضها، وبالتالي فإن المسؤولية لا يجب ان تقتصر على إقالة مسؤول واحد بل يجب محاكمته مع باقي المتسببين في الحادث كبارهم قبل صغارهم.
ثم هل كان المصريون في حاجة إلى تكرار حوادث القطارات وفقد مئات الضحايا حتى تتحرك الحكومة وتقرر تخصيص 5 مليارات جنية لتطوير هيئة السكك الحديدية؟ ألم تكن الحكومة تعلم منذ سنوات الحالة التي آلت إليها القطارات؟ وتدني مستوى أجهزة السلامة والأمن على الأشرطة الحديدية البالغ طولها نحو عشرة كيلومترات ما بين طرق رئيسة وفرعية؟!
هذا ليس تقليلا من شأن الخطوة التي يمكن ان تحدث نقلة نوعية في عمل هيئة السكك الحديدية المصرية وهي الأقدم في المنطقة، لكن تأخر هذا القرار، يجعلنا نتساءل كم مرفقا آخر ينتظر خطوة مماثلة حتى يتجنب المصريون الاستيقاظ على هذه الكارثة أو تلك من وقت إلى آخر؟
ربما الشيء الايجابي هذه المرة ان الكارثة وقعت في نطاق محافظة على رأسها رجل قانون مشهود له بالكفاءة هو المستشار عدلي حسين الذي قاد مجريات الأزمة بنوع من المسؤولية، فكانت عمليات الإنقاذ وإجلاء المصابين في زمن قياسي بالنظر إلى كوارث مشابهة كان التعامل معها أسوأ ما يكون كما حدث مع عبارة البحر الأحمر وقطار الصعيد من قبل.
كما ان الصراخ الذي يصاحب مثل هذا النوع من الكوارث في وسائل الإعلام المصرية ونبرة النقد والهجوم التي تشنها المعارضة سواء في البرلمان أو في الأحزاب السياسية، نتمنى الا يضيع صداها، في دهاليز الحكومة وسرعان ما تخبو شعلة الحماس للتطوير ومحاسبة المقصرين، ويخمد بعد ذلك كل شيء، وينسى البعض أو يتناسى ان هناك أبوابا وطرقات عديدة تحتاج ان تمتد إليها يد التطوير وضخ الدماء في عروقها المتيبسة، حتى يمكن تجنب مثل هذا النوع من المصائب التي لم يعد السكوت عنها مقبولا.
لا نريد ان نتعامل مع كارثة قطاري قليوب، على طريقة التعامل الموسمي الذي تتبعه الحكومة، عندما تقع الفأس في الرأس، وان نرى هذه المرة تحركا جادا ومتواصل من اجل تجنب الوقوع في كارثة جديدة تفضح التراخي، و(الطناش)، الذي يميز قطاعات واسعة من الدولاب الحكومي، فهل تتعلم الحكومة المصرية وتحفظ الدرس فلا تكرر الأخطاء الجسيمة، كما حدث في كارثة تصادم القطارين؟