كأن العالم عاد إلى ما قبل صلح وستفاليا.تلك الاتفاقية التي عقدت عام 1648 ويعتبرها المؤرخون البداية الحقيقية للعصر الحديث وقد أنهى «صلح وستفاليا» حروبا ضارية بين الدول الدينية والعلمانية في أوروبا وأسس «الدولة القومية الحديثة»، وقد كانت الاتفاقية نتيجة غير مباشرة للإصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر فأسس المذهب البروتستانتي وبعد قرون يحتضن المذهب البروتستانتي عملية تاريخية لإعادة الصلة بين الدين والسياسة بل بين الدين والحياة العامة كلها تبدو معها البشرية كما لو كانت تعود إلى ما قبل صلح وستفاليا.

وقد وقعت الاتفاقية بعد سلسلة من الحروب الدموية ليس فقط بين البابا والبروتستانت بل أيضاً بين طوائف البروتستانت أنفسهم وأكبر دليل على ذلك، اندلاع «حرب الثلاثين عاما» (1618-1648) التي مثلت عراكاً شرساً بين اللوثريين والكلفانيين وهي جماعة نشأت من رحم الحركة اللوثرية وانشقت عنها فيما بعد، وهي حرب لم تضع أوزارها إلا بعد انعقاد مؤتمر كبير، سُمي بصلح وستفاليا (نسبة إلى منطقة وستفاليا الواقعة في غرب ألمانيا)، حيث شارك فيه 121 مندوباً من ممثلي الحكومات الأوروبية.

من الحروب المقدسة للحروب المقدسة!

وقد اتفق هؤلاء المندوبون على وضع نهاية للحروب الدينية في ألمانيا وإدخال الطوائف الدينية الثلاث: الكاثوليكية واللوثرية والكلفانية تحت مظلة التسامح الديني. إلا أن الأهم من ذلك كان اشتمال المؤتمر على تجريد السلطة البابوية من حق التدخل في شؤون الكيانات السياسية الأوروبية ومن ثم تأسيس العلمنة السياسية في عالم الغرب. وقد أسفرت التجربة القاسية مع السلطة البابوية عن مثل هذا الانقلاب الفكري فالتجربة انتهت ليس فقط إلى معاقبة السلطة الدينية بل معاقبة الدين ذاته.

حيث لم تتم التفرقة بين الدين كعقيدة وبين الممارسين الذين أساءوا استخدامه فكان الدين هو الضحية، حيث سحب من الحياة سحباً مُطلقاً وكان يراد له أن يكون أبديا. وجاءت الثورة الفرنسية (1789) لتؤسس الفصل التام النهائي بين الدين والدولة وأصبحت المرجعية السياسية للكيانات السياسية الأوروبية الحديثة كافة.

بحيث لم تعد قضية الانفصال بينهما مما يقبل النقاش وربما أصبحت مستقرة في العقل الوجدان الغربيين بحيث لم تعد موضع نقاش، وخلال القرنين الماضيين كانت الولايات المتحدة توصف بأنها «استثناء» في مسار الظاهرة الغربية لكن الاستثناء أصبح من القوة والقدرة على التأثير بحيث تحفر مجرى جديدا لنهر السياسة الدولية يعيد طرح العلاقة بين الدين والسياسة.

والعالم يشهد إحياء دينيا متزامنا عابرا ليس فقط لحدود الدولة القومية بل للقارات والتشكيلات الحضارية والقوميات منذ الربع الأخير من القرن العشرين، فهناك إحياء ديني بين أتباع الأديان السماوية الثلاثة وبعض الأديان غير السماوية، ومع مطلع القرن الحادي والعشرين الذي بدأ مضطربا وعاصفا يشهد العالم درجة غير مسبوقة من الاهتمام والجدل بشأن علاقة الدين بالسياسة فالقضية - كما أشرنا - مطروحة بقوة في القوة الأكبر في العالم.

وبدأت تحتل مكانا مهما في لغة خطابها السياسي، فللمرة الأولى منذ قرون يتحدث حاكم غربي عن حروب تشن من منظور إنجيلي وتوراتي ومخططات «إلهية» لنهاية التاريخ، وعندما يتحدث «الرئيس المؤمن» جورج بوش عن الصراع مع محور الشر فإن من الطبيعي أن يكون هناك في المقابل «محور الخير»!

عن «المسألة الدينية»

ولأن القضية من الأهمية والعمق بحيث تتجاوز الأبعاد السياسية المباشرة فقد خصها المفكر المعروف الدكتور جورج قرم بكتاب مهم هو «المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين» وقرم المفكر الموسوعي الذي نال درجات أكاديمية في الاقتصاد والقانون كان موضوع رسالته للدكتوراه: «تعدد الأديان وأنظمة الحكم» فضلا عن تجربة سياسية غنية أوصلته لمنصب وزير مالية لبنان (1998 - 2000).

وفي كتابه يرسم قرم ملامح المشهد العالمي فيؤكد أن العالم يشهد انبعاثاً للهويات الدينية لم يعرفها منذ أكثر من قرن وتعبر الظاهرة عن نفسها بتوترات ساخنة ونزاعات طائفية وإثنية وعرقية داخل البلد الواحد أو بين بلدان متجاورة كما أنتجت الظاهرة أيضا ثقافات خاصة ونظريات كان أبرزها صراع الحضارات الراهن والمقبل بديلاً لصراع أيديولوجي سابق بين الرأسمالية والشيوعية. ولأن قرم شأن معظم المثقفين العرب يتبنى الموقف الأوروبي المدافع عن عالم «علماني» فإنه يرفض حصر هذا «الإثم» بدين واحد تمثله الحركات الأصولية الإسلامية!

وبسبب انحيازه الواضح يرى قرم أن تصاعد العنف في العالم من نتائج انبعاث هذه الهويات الدينية فعلى امتداد النصف الأول من القرن العشرين كانت صورة العالم بعيدة جدا عن التأثير الديني وكانت الأفكار العلمانية تتقدم لتزيح الثقافات الوطنية وكان العالم العربي يواجه الاستعمار وينبه قرم لحقيقة مثيرة لم تلفت الانتباه قبلا هي أن ميثاق الجامعة العربية لم يحمل أي إشارة إلى رباط ديني. وهو لا يغفل أن بعض المؤرخين يردون «الإرهاب» إلى الثورة الفرنسية ومرحلة «الإرهاب» اليعقوبي التي شهدتها فرنسا فهي الجذر الحقيقي للإرهاب الحديث.

المستقبلات البديلة

والاهتمام العالمي بالإحياء الديني المتزامن عالميا ليس ترفا معرفيا وبخاصة بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي فقضية العلاقة بين الدين والدولة أعقد قضايا الواقع السياسي منذ رحيل الاستعمار العسكري الغربي المباشر فضلا عن أن الصراع حول هذه القضية كان سببا في سفك دماء كثيرة في أماكن عديدة من العالم العربي فضلا عن أن مأزق الهوية الحاد غير منفصل عن قضايا مثل العلاقة مع الغرب والصراع العربي الصهيوني واستيعاب الإسلاميين في العملية السياسية.

فإذا كان كتاب قرم - وهو مجرد نموذج لمنطق تفكير منتشر - يتعامل مع الإحياء الديني بوصفه «إثما» وسببا لمزيد من الصراعات الدولية والإقليمية فإنه في الوقت نفسه يؤدي لنتيجة شديدة الأهمية هي أن الإحياء الإسلامي في العالم العربي والإسلامي ليس استثناء من اتجاه التاريخ صحيح أنه كثيرا ما افتقر إلى النضج الكافي والاستعداد الحقيقي للتعايش مع التيارات السياسية الأخرى فإنه في النهاية لا يجوز أن يعامل كما لو كان شيئا عجائبيا أو نبتا شيطانيا أو صنيعة استعمارية إلى آخر الأوصاف التي تملأ الكتابة العربية عن الظاهرة، ويظل الدين أكبر وأقدس وأكثر أهمية للإنسان والمجتمع من أن يختزل النقاش حوله في تجارب هذه الجماعة أو تلك.

ومن نافل القول إن دعوة البعض لأن تنضم الأمة إلى الموقعين على «وستفاليا» هي في غير محلها لأن من وقعوها أنفسهم منقسمون بين دفنها باعتبار أن «إكرام الميت دفنه» وبين تحنيطها كتذكار لحقبة من التاريخ انتهت!

كاتب مصري