في خضم الحروب الإسرائيلية التي ولدتها حربها على لبنان، الحرب التي لم تنته بعد إلى وقف إطلاق نار دائم كما هو منتظر ومطلوب والتي يهدد وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس تهويلا للخارج وتبريرا للداخل وضغطا على لبنان بالاستعداد لجولة قتال ثانية.

في خضم هذه الحروب الحزبية والمدنية العسكرية والحكومية وبين العسكر وضمن الأحزاب وما ولدتها من انتفاضات تتبلور مع الوقت، بعضها ضد بعض أهداف هذه الحرب وبعضها الآخر ضد سوء إدارة الحرب، تظهر تداعيات تحمل تساؤلات عديدة حول مسلمات ومسائل أساسية في الجسم السياسي الإسرائيلي:

أولا: بشأن حدود القوة، القوة العسكرية الكلاسيكية التي لا تقدر على صنع السلم فحسب بالشروط الإسرائيلية بل كشفت الحرب أن هذه القوة لا تستطيع أن توفر الأمن لإسرائيل من خلال إقامة مظلة أمنية للأراضي الإسرائيلية.

ثانيا:إستراتيجية الدفاع الهجومي التي تشكل الركن الأساسي في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية إستراتيجية تقوم على المباغتة وعلى الاستباقية بواسطة الرد الكثيف حينا والعمليات العسكرية الجراحية أحيانا لتحقيق الأهداف الأمنية.

ثالثا: سقوط وظيفة التفوق الحاسم للقوات الجوية التي جربت بنجاح وتأثير كبيرين في الماضي في الحروب التقليدية العربية الإسرائيلية عندما حسمت مجرى المعارك منذ بدايتها وبالتالي مسار الحرب.

رابعا: سقوط إستراتيجية الإكراه التي تقوم على ورقة التهديد بالتفوق العسكري لتغيير سلوكية العدو وهي الوجه الآخر لإستراتيجية الردع التي تقوم على منع العدو من القيام بعمل عسكري والتي اهتزت أيضا بشدة.

خامسا: سقوط السياسة الأحادية الإسرائيلية التي أعلن رئيس وزراء إسرائيل عن تعليق العمل بها فيما يخص الانسحاب من الضفة الغربية لتغطية هذا السقوط ،السياسة التي بدأت بالفعل بالانسحاب من لبنان وطبقت لاحقا في غزة والتي كان يفترض أن تقيم السلم الإسرائيلي المفروض بعد استكمال سياسة الانطواء في الضفة الغربية.

سادسا: اهتزاز مكانة حزب كاديما وبروز خلافات واسعة بين قياداته كون شرعية الحزب الأساسية وعلة وجوده تقوم على السياسة الأحادية التي انهارت في حرب لبنان ويستفيد من هذا الارتباك وفقدان البوصلة والتخبط، حزب الليكود الذي تزداد شعبيته وهو الرافض لأي انسحاب باعتبار انه لا يؤدي إلى السلم ويضعف الأمن الإسرائيلي ويستفيد كذلك ولو بشكل اقل راهنا بعض اليسار الداعي إلى التفاوض والسلم التعاقدي ولو مازال هذا الموقف خجولا ومرتبكا وغير واضح كليا.

سابعا: أعيد إلى طاولة البحث والنقاش الحاد موضوع إحياء المفاوضات مع سوريا تحت عنوان يمكن اختصاره «بالجولان مقابل إيران» نتخلى عن الجولان وتتخلون عن إيران، ويرى مؤيدو المفاوضات مع سوريا أنها تهدف إلى قطع شريان خط النفوذ الإيراني الممتد عبر الأزمات من الخليج إلى البحر المتوسط عبر بغداد وبيروت وغزة وكذلك تسجيل نقطة ضد إيران في المواجهة حول الملف النووي الذي يزداد سخونة إلى جانب احتواء حزب الله وإضعاف حماس وإرباكها في ظل الحوار الساخن بين الرافضين.

من حيث المبدأ، العودة إلى المفاوضات والرافضين راهنا البحث في ذلك باعتبار أن إسرائيل منشغلة صراعيا وليس دبلوماسيا بالطبع بالمسارين اللبناني والفلسطيني وبين من يريد تهيئة المفاوضات لتكون بمثابة إغراء إلى سوريا وبين المتحمسين للانخراط فورا في المفاوضات مع دمشق تبقى هنالك عناصر ثلاثة لا تعطي سيناريو التفاوض احتمال التحول إلى سياسة في المدى القريب.

من هذه العناصر استمرار واشنطن في رفضها رفع الحظر التطبيعي عن سوريا لأسباب إستراتيجية خاصة برؤية الإدارة الحالية للأولويات الشرق أوسطية ولكيفية التعاطي مع مسائل المنطقة ولغياب مزاج إسرائيلي تفاوضي بشكل عام أو تنازلي ضمن هذا المفهوم وهو غياب قائم منذ مطلع هذه الألفية.

وأخيرا لان المطلوب سلة تنازلات والتزامات سلوكية شبه فورية من سوريا مقابل إطلاق عملية مفاوضات مليئة بالعوائق وغير مضمونة النتائج في مناخ متوتر في المنطقة ويبقى سقفها دون المطالب السورية المعروفة، لكن رغم ذلك يبقى انطلاق هذا الحوار الإسرائيلي بالحدة التي تطبعه مليئا بالعبر بعد سنوات من التهميش الكلي وشبه الإجماعي لفكرة التفاوض مع العرب.

إسرائيل اليوم تقف أمام خيارات أربعة على الصعيد السياسي: إقامة حكومة وحدة وطنية كما هو الحال في الحروب والأزمات الكبرى، إجراء انتخابات مبكرة، انقلاب في كاديما بعد الخلافات التي تعصف به والبحث عن حكومة ائتلافية جديدة، وأخيرا حكومة انقلابية تضم متمردي كاديما والعمل الذين انتقدوا بشدة أداء رؤسائهم.

إنها خيارات أزمة حربها اللبنانية التي قد تجد إسرائيل في العودة إلى هذه الحرب ولو بسيناريوهات قتالية مختلفة وسيلة للخروج من هذه الأزمة.

كاتب لبناني