نعم.. انتصرت المقاومة العربية اللبنانية وفشل العدوان الإسرائيلي ـ الأميركي في تحقيق أهدافه. هذه هي الحقيقة التي ينبغي ان نعتز ونزهو بها حتى ونحن نعرف أن النصر أحيانا يصبح مشكلة بأكثر مما تكون الهزيمة عند البعض الذين تعودوا لسنوات طويلة علي الهزائم، والذين استعدوا من بداية الحرب علي ارض لبنان للتصرف من الموقع الذي تعودوا عليه وهو موقع المهزوم، وذلك برثاء الضحايا أو المساعدة في علاج المصابين أو إصلاح الأضرار، أو الدعاء علي الظالم، أو ادعاء الحكمة وتذكيرنا بأنهم نبهونا من البداية لخطورة اللعب مع الكبار وتكلفته العالية!!
انتصرت المقاومة.. هذه حقيقة تدركها إسرائيل وهي تحاسب نفسها على الهزيمة، وتدركها الولايات المتحدة وهي تعرف تماما فداحة ما حدث على مخططاتها للمنطقة، ويدركها الذين راهنوا على دور أميركي يصعد بهم إلى السلطة في بلادنا العربية تحت شعار «التحرير».
كما حدث في العراق أو «الديمقراطية» التي ينتظرون ربيعاً أميركيا لها في المنطقة وفقاً لرؤية الرئيس الأميركي التي يظن انه أصبح بموجبها يملك تفويضاً إلهيا بتدمير الدول العربية والإسلامية لكي يعمم عليها «النموذج» العراقي الذي «أبدعت» أميركا في صنعه لكي تعيد العراق إلى القرون الوسطى !!
كل هؤلاء يحسون بمرارة الهزيمة، ويدركون أن آثارها ستكون وبيلة عليهم. فالحكومة في إسرائيل في مهب الريح ، والجيش (القابض على السلطة منذ قيام الدولة) يفقد زهوه بقوته الرادعة. والإدارة الأميركية المقبلة على انتخابات حاسمة لكونجرس في نوفمبر سوف تفعل المستحيل لإنقاذ الموقف بعد أن ظنت أن لبنان سيكون الهدية التي تقدمها للناخبين والتي يمكنها أن تغطي على فداحة الكارثة الأميركية في العراق.
واللوبي الأميركي في البلاد العربية الذي غامر بتاريخه ورهن مستقبله بالنصر الأميركي في العراق ثم في المنطقة يدرك ما كان عليه أن يدركه من البداية وهو انه خسر معركته في اللحظة التي ربط فيها بناء الديمقراطية في وطننا العربي برؤية واشنطن وإرادة البنتاجون!!
إن المشهد الحالي بكل تعقيداته لا ينبغي أن يصرفنا عن الحقيقة الكبرى التي يجب أن تحكم موقفنا في هذه المرحلة الحاسمة وهي أننا قد حققنا نصراً عزيزاً طال انتظاره ، وأن مهمتنا الأساسية الآن ان نحرس هذا النصر من أنفسنا أولا، ومن العدو بعد ذلك.. وهذا هو الجهاد الأكبر الذي لابد منه حتى لا يفلت النصر من بين أصابعنا، وحتى لا نصحو على ضربة أخرى تجهض الآمال العربية التي انتعشت بما تحقق في لبنان.
وإذا انطلقنا من نقطة ان الحرب في لبنان كانت مقررة سلفاً من جانب أميركا وإسرائيل، فإن علينا أيضا أن ندرك أن واشنطن وتل أبيب لن تبتلعا الهزيمة بسهولة، وان الهدف الذي كان وراء شن الحرب سيظل مطلوباً تحقيقه بأي وسيلة، وهو تدمير حزب الله أو نزع سلاحه.
وقد حاولت الإدارة الأميركية المستحيل في هذا الشأن.. أعطت للجيش الإسرائيلي كل المهلة التي طلبها ، وعطلت مجلس الأمن عن اتخاذ أي قرار بوقف إطلاق النار، وقادت الدول الأوروبية في مظاهرة تأييد لإسرائيل، وسارعت بإمداد الجيش الإسرائيلي بالقنابل الذكية والمعدات الأحدث في ترسانتها العسكرية..
ومع الفشل الإسرائيلي رغم كل هذا الدعم كانت الضغوط السياسية من أجل انتزاع قرار دولي من مجلس الأمن لا يترجم الواقع علي الأرض وينحاز لإسرائيل رغم التعديلات عليه الضغوط والتي مارستها الدول العربية.
لكن ذلك لم يكن يمثل النهاية بالنسبة لواشنطن أو تل أبيب. بل إن المشكلة بالنسبة إليهما ازدادت تعقيدا، وحزب الله خرج اقوى، وعواقب انتصاره سوف تكون بالغة الأهمية ومن هنا ينبغي أن ننظر بكل جدية إلى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين عن استعداد الجيش الإسرائيلي لجولة جديدة من الحرب في لبنان، والتي قد تكون للتغطية علي الفشل ومحاولة الهروب من المصير المنتظر للحكومة الإسرائيلية.
وقد يكون من قبيل الضغط لاستكمال بناء القوات الدولية وتوسيع اختصاصاتها بما يجعلها طرفاً في معركة منتظرة حول سلاح حزب الله.. لكننا في كل الأحوال لا ينبغي أن نغفل أن الفشل العسكري الإسرائيلي لا يمكن أن يمر بسهولة، وأن الجيش الإسرائيلي لن يتحمل فقدان صورته كقوة ردع قادرة على البطش بأعدائها وقادرة علي ضبط الأمور في المنقطة لمصلحة أميركا..
لأن فقده هذا الدور يعني فقدان إسرائيل وظيفتها الأساسية بالنسبة لواضع السياسة الأميركية وبالنسبة لدافع الضرائب الأميركي ، وقد تغيب هذه الحقيقة لفترة بحكم سيطرة اللوبي الصهيوني على الإدارة الأميركية والاعلام الأميركي الآن ، ولكن ماذا عن المستقبل القريب؟ هذا هو السؤال الذي لا تتحمل تل أبيب انتظار إجابته طويلاً !!
وإذا كانت إسرائيل ستبحث عن الثأر العسكري قبل أي شئ، فإن الإدارة الأميركية وهى تدرك فداحة الثمن الذي دفعته باعتبارها شريكا أساسيا في العدوان الإسرائيلي على لبنان..
تعمل على عدة محاور للتعامل مع آثار الهزيمة التي لحقت بها وبإسرائيل. فهي من ناحية تحاول أن تبيع للرأي العام الأميركي فكرة أن ما تحقق في لبنان كان انتصاراً لمحور الخير الذي تقوده على محور الشر الذي تضع فيه حزب الله باعتباره أداة لإيران وليس حركة مقاومة وطنية مشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وهى من ناحية ثانية تحاول أن تصلب عود اللوبي المناصر لها في لبنان والدول العربية. وهى من ناحية ثالثة تسعى للنيل من المقاومة اللبنانية عن طريق الدبلوماسية بعدما فشلت هي وإسرائيل عن طريق العدوان.
وما إعلان الرئيس الأميركي عن مشروع قرار جديد تطرحه أميركا على مجلس الأمن لنزع سلاح حزب الله إلا استئناف للحرب وبصورة قد تكون أكثر خطورة لأنها تحاول أن تضع المقاومة أمام الإرادة الدولية، ولأنها سوف تترافق بلا شك مع جهود أميركية حقيقة لنسف الوحدة الوطنية اللبنانية، ولأنها تعنى الإصرار الأميركي على أن يدفع لبنان والعرب فاتورة حربها مع إيران بالإضافة إلي الفواتير التي يدفعونها نتيجة الانحياز الأميركي الفاضح لإسرائيل بل والشراكة معها في العدوان على العرب.
هذا عن الجانب الآخر.. فماذا عنا نحن ؟ وكيف نتعامل مع موقف شديد الخطورة وبالغ التعقيد، ومع عدو لا يستوعب كيف انهزمت ترسانته العسكرية الهائلة أمام المقاومة، ويعرف جيداً معنى ترك آثار هذه الهزيمة تنمو في المجتمع الإسرائيلي، ومعنى أن تضاف للسياسة الأميركية هزيمة جديدة بعدما حدث ويحدث لها فى العراق ؟!
لقد انتصرت المقاومة للبنان وللعرب جميعاً. هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نزهو بها وأن ننطلق منها للتعامل مع الحاضر ومع المستقبل، فالحرب لم تنته، والثقة التي اكتسبناها من هذه الجولة ينبغي أن تتدعم لأنها الأساس في النصر الذي تحقق، ولأنها السبيل إلى انتصارات أخرى إذا استؤنف القتال و لأنهم يعرفون ذلك.
فعلينا أن نتوقع أن تزداد شراسة الحملة الموجهة التي تستهدف التشكيك في النصر الذي تحقق، وتريد ان تعيدنا
إلى دائرة الرعب من الوحش الإسرائيلي خاصة إذا كان مدعوماً حتى النخاع بالتأييد الأميركي.
نعم كان الثمن فادحاً، ولكن متى كان الثمن الذي دفعته الشعوب في معارك الاستقلال والحرية قليلاً ؟ومن الذي كان سيمنع إسرائيل وأميركا من شن هذه الحرب أو غيرها على لبنان أو على أي دولة عربية؟ وهل نملك أمام النازية الإسرائيلية والاستفراد الأميركي إلا المقاومة؟
وهل إذا انتصرت المقاومة وأوقفت العدوان ومنعته من تحقيق أهدافه أصبح علينا أن نقف في وجهها صائحين: لمن ستهدون هذا الانتصار.. وكأننا لا نعرف الإجابة، ولا ندرك ان الشعب الذي حارب وصمد هو وحده صاحب الحق في الانتصار؟
لقد انتصرت المقاومة العربية في لبنان.
كما انتصرت قبل نصف قرن المقاومة العربية في مصر على العدوان الثلاثي والذي كان من نتيجته سقوط الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، وهذا هو ما تحاول السياسة الأميركية مواجهته وما تحاول إسرائيل التعامل معه. لقد سقطت قوة الردع العسكرية الإسرائيلية وعرفت إسرائيل معنى أن تصل الصواريخ إلى عمق أرضها وأدركت واشنطن مرة أخرى ان القوة العسكرية لن تحسم مصير المنطقة.
لكن الأهم هو ما حدث لنا في كل البلاد العربية. لقد أدركت الشعوب من البداية أن المعركة هي بين منطق المقاومة ومنطق الاستسلام، وانتصرت للمقاومة. وأدركت النظم العربية ان الخطر الحقيقي هو في تنامي الهوة التي تفصل الشعوب عن حكوماتها.
وخرج الجميع بدرس يقول إن كل الدول العربية ستبقى مهددة طالما بقي الكيان الصهيوني على عنصريته وعدوانيته وطالما بقيت السياسة الأميركية في خدمة الأهداف الإسرائيلية.
صمود المقاومة في لبنان قلب كل الموازين. استعاد العرب الثقة المفقودة في الانتصار، واستعاد النظام العربي شيئا من الإرادة الغائبة. وكان الإنجاز على ارض المعركة هو السند الذي تحركت على أساسه الدبلوماسية العربية لتعديل قرار مجلس الأمن.
والمقارنة بين الموقف في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأول في القاهرة في الأيام الأولى للحرب، واجتماعي بيروت والقاهرة بعد ذلك تؤكد قيمة ما حدث على الأرض من انتصار وانعكاساته على الواقع العربي الشعبي والرسمي معا.
وزير خارجية الإمارات سمو الشيخ عبد الله بن زايد قال بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير: لقد تحقق إنجاز قد يكون انتصاراً نسبياً فلماذا لا نفرح به؟!
نعم.. انتصرنا في جولة هامة، وعادت إرادة المقاومة لتفرض نفسها، واستعدنا شيئا من الثقة المفقودة، ونحن نعرف أن أمامنا معارك اشد قسوة، ولكن عدونا يعرف أننا لم نستخدم ـ حتى الآن ـ العديد من الأسلحة الاقتصادية والمالية والعسكرية، وأننا ندخل الجولات القادمة وثقتنا أكبر في أنفسنا وفي قدرتنا على أن نفرض على العالم صورة جديدة للعرب ينبغي التعامل معها بجدية واحترام. ما تحقق حتى الآن إنجاز من حقنا أن نزهو به، ومن واجبنا أن نحرسه وأن نبني عليه.
نقيب الصحافيين المصريين