من المؤكد ان التطورات المأساوية التي مر بها لبنان الشقيق خلال العدوان الاسرائيلي عليه قد اثرت ولو جزئيا على مدى ودرجة الاهتمام الدولي والاقليمي بما يجري في العراق الشقيق من ممارسات وما يتعرض له الابرياء من ابناء الشعب العراقي الشقيق من اعمال عنف لا هدف لها سوى قتل ابناء الشعب العراقي والعمل بكل السبل على زرع بذور الفتنة بين ابناء الرافدين.

واذا كان الشعب العراقي الشقيق قد دفع ثمنا غاليا من حاضره ومستقبله، ومن ارواح ابنائه ودماء شبابه واطفاله وذلك منذ الاطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، فان المشكلة الاكثر الحاحا الآن تتمثل ليس فقط في اتساع دائرة العنف الداخلي واجتذابها لمزيد من الاطراف المشاركة فيها بغض النظر عن الاهداف التي ترمي اليها كل منها.

ولكنها تتمثل ايضا في ان استمرار الاوضاع الراهنة يزيد من صعوبة وضع حد لها ويحتاج بالضرورة الى وقت اكبر وجهود اوسع وتضامن والتقاء اكبر بين قوى الشعب العراقي وطوائفه وفصائله المختلفة اذا اريد بالفعل وضع حد لنزيف الدم العراقي المستمر منذ اكثر من ثلاث سنوات.

ومع الوضع في الاعتبار ان قوات التحالف الدولي في العراق تسعى، في اطار خططها واهدافها وأولويات دولها، الى الدفع بالعراق الى الاقتراب ولو نسبيا من الاستقرار، مع تدريب اعداد متزايدة من القوات المسلحة والشرطة العراقية لتقوم بدور اساسي في جهود حفظ الامن في المدن والمناطق العراقية.

الا انه من المؤكد ان النجاح في ذلك هو في جوهره، او في المقام الاول، قرار عراقي ، وهو قرار لا ينحصر بالتأكيد في موقف الحكومة العراقية فقط ولكنه قرار وطني تشارك فيه مختلف القوى العراقية ودون استثناء انطلاقا من ان ما يجري في العراق يمس كل العراقيين اليوم وغدا وفي المستقبل ايضا وان من حق العراقيين ان يصيغوا واقعهم وحياتهم ومستقبلهم وفق رؤيتهم وحسب مصالحهم وأولوياتهم التي يشتركون جميعا في صياغتها وفي تنفيذها كذلك.

انطلاقا من هذه النقطة فان الجهود الكبيرة والمتواصلة التي تقوم بها حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تمهيدا لتولي القوات العراقية مسؤولية الامن في عدد من المدن والمناطق العراقية تحتاج الى دعم كبير والى مساندة حقيقية ومخلصة سواء في داخل العراق او من جانب المحيط الاقليمي والدولي المعني بما يجري في العراق وهو امر ضروري ولا غنى للحكومة العراقية عنه على اي نحو الآن وفي الفترة القادمة.

واذا كانت تحركات عديدة جرت وتجري، سواء بين القوى والفصائل العراقية او على مستوى القوى الاقليمية والدولية المعنية بالاوضاع العراقية لتنشيط ودفع جهود المصالحة الوطنية التي تتعرض الآن بالفعل لتحديات ومخاطر كبيرة وربما بأكثر مما تعرضت له من قبل، فانه يمكن القول بأن المؤتمر المقرر عقده اليوم في بغداد والذي تشارك فيه مئات العشائر العراقية من اجل بحث المصالحة الوطنية العراقية والخطوات التي ينبغي اتخاذها من جانب العشائر العراقية لفتح وتأمين الطريق امام هذه المصالحة يكتسب الكثير من الاهمية في الواقع.

بالنظر الى الدور الحيوي والمؤثر للعشائر العراقية في الكثير مما يجري على الساحة العراقية وذلك بحكم الارتباط بين الكثير من القوى والفصائل التي تتحرك على الساحة العراقية وبين العشائر والمناطق العراقية المختلفة.

وفي ضوء ذلك فانه من المهم والضروري العمل وبذل كل الجهود الممكنة من اجل انجاح هذا المؤتمر والخروج منه بتوصيات وقرارات ومواقف داعمة للوحدة الوطنية العراقية وقادرة ايضا على وضع حد للنزيف العراقي المتواصل، او على الاقل السير بخطى ملموسة نحو ذلك الهدف الذي يتطلب تضافر جهود كل القوى العراقية المؤمنة بوحدة العراق والعاملة من اجل الحفاظ على العراق قويا ومتماسكا وموحدا ارضا وشعبا ووطنا لصالح العراق والمنطقة ككل من حوله.