مرة أخرى نتوقف مع مشكلة شريحة من فئات المجتمع التي لا تزال تشكو قلة الحيلة وضعف الفرص التي تتاح لها لتحيا من جديد حياة كريمة وتندمج مع الآخرين. نتوقف مع مشكلة شريحة قد لا يتعاطف معها الكثيرون ويجدون في منحهم أية فرصة مضيعة للوقت والجهد ولا يجدون بأساً في شقائها وما تقاسيه جراء ما اقترفت وما بدر منها من خطأ في حق مجتمعها ونفسها.

نتوقف عند مشكلة فئة أخطأت واقترفت من الجرائم أشدها وأقساها ونال مقترفها الجزاء الذي استحقه وأنهى مدة العقوبة محبوساً أو مسجوناً، وخرج ليواجه ما هو أقسى من عذابات السجن وراء القضبان إلى سجن أكبر لا نهاية له ولا مدى، وأكثر مراحلها قسوة هي تلك التي تغلق في وجهه كل أبواب الرحمة وفرصة الحصول على لقمة العيش.

البعض منهم يجد في أحضان أسرته الدفء ويلقى من ينتشله مماهو فيه حتى يتجاوز ما هو فيه، وآخرون لا يجدون سوى الصد الذي يصل إلى درجة إنكار وجوده وكأنه لم يكن. هؤلاء يحاولون البدء من جديد من غير يد تمتد إليهم أو قلب يهديهم إلى الصراط القويم، فيطرقون الأبواب بحثاً عن فرصة عمل تقيهم شر السؤال وتوفيهم حاجتهم ولكن هيهات أن يتحقق لهم ذلك،

فلا شهادة تثبت حسن سيرتهم وسلوكهم، ولا ثقة يمنحون في أي وظيفة مهما كانت بسيطة، وفي النهاية وهذه الأبواب موصدة ومع صعوبة ظروف الحياة تشرع لهم أبواب الشر والجريمة ليصلوا مجدداً إلى البداية ذاتها وربما أكثر سوءاً.

عشرات، بل مئات الشباب، يحيون حياة قاسية، منهم من عاد إلى عالم الجريمة من بوابة أخرى، ومنهم من هو قابع في زاوية بعيدة يعيش عالة على غيره، ومنهم من لا يزال يحاول علّ وعسى تلوح أمامه فرصة، حالات كثيرة تخلص إلى نتيجة واحدة وهي طاقات شبابية مواطنة معطلة،

وأشخاص وأسر تحيا معاناة كبيرة، ووضع مأساوي وصل إليه شباب الوطن انتهى بالبعض لأن يدور في الفرجان والسكيك وحاويات القمامة في الطرقات بحثاً عن علب المرطبات ويجمعها ليبيع أكياسا منها لشركات متخصصة، أو جمع أوراق الكراتين المقوّاة وبيعها بدرهمين أو ثلاثة دراهم.

ولا عيب في العمل ولا شك ان الكسب الشريف يمنح صاحبه الكثير، لكن لماذا لا تسعى إحدى مؤسسات الدولة ولتكن وزارة الداخلية مثلاً لاستثمار هذه الطاقات وتشغيلها وتأمين دخل شهري لها؟ وفي ذات الوقت يكون «المنحرفون» التائبون تحت نظرها وإرادتها لتضرب بذلك أكثر من عصفور بحجر واحد.

fadheela@albayan.ae