بعض الأصوات اللبنانية العربية والإسرائيلية والأميركية تشكك في حقيقة النصر الذي حققته المقاومة الإسلامية في لبنان ضد العدوان الصهيوني، ويصل بعضهم إلى حد وصفه بالهزيمة القاسية! سنعذرهم ولن نقول إنهم يرددون ما يقوله دعاة العدوان في واشنطن، ولا دعاة العدوان في تل أبيب..
ولكن سنقول إنهم يقرأون على قدر قدرتهم على قراءة الواقع، ويرون الصورة على قدر الضوء المتاح أمامهم، ووفقاً لطريقة حسابهم لمعايير النصر والهزيمة، سواء كانت قِيمِية أو قيمية بالحساب التجاري أو الأخلاقي انطلاقاً من خلفياتهم ووصولاً إلى أهدافهم في المقابل،
هناك من الأصوات اللبنانية والعربية والدولية بل والإسرائيلية من يرى العكس تماماً، ولعله واحد منهم، من حيث النتائج العسكرية والسياسية أيضاً، فإن معركة الثلاثة والثلاثين يوماً، تبقى نصراً أكبر من قدر البعض على استيعاب أسبابه ونتائجه ودروسه.
ويبقى نصراً تاريخياً وإستراتيجياً عسكرياً وسياسياً عميق الأثر، سواء في التاريخ العسكري أو في تداعياته السياسية، من خلال إعادة صياغة معادلات القوى، الشعبية والنظامية، الإقليمية والدولية وبالتالي على مسار القرارات السياسية الإستراتيجية فيما يتعلق بمستقبل الحرب والسلام في الشرق العربي الإسلامي.
وبين الرؤيتين من يرى لا نصراً ولا هزيمة لا للقوات الصهيونية، ولا للمقاومة الإسلامية، انطلاقاً من مقولة إسرائيل لم تحقق كل أهدافها العسكرية والسياسية التي حددتها لشن هذا العدوان، وبهذا لم تحقق نصراً كاملاً كما أن حزب الله لم يحقق كل أهدافه السياسية والعسكرية من هذه المعركة، وبهذا فلم ينزل بالهزيمة الكاملة لإسرائيل، أي أن إسرائيل فشلت في هزيمة حاسمة للمقاومة،
كما أن المقاومة لم تحقق نصراً كاملاً على إسرائيل، وبين الرؤيتين أيضاً يرى أصحاب الرأي الرابع أن المقاومة الإسلامية حققت نصراً عسكرياً لا شك فيه ضد القوات الصهيونية لكن إسرائيل حققت مكاسب سياسية من هذه المعركة من خلال القرار الدولي 1701 بانحياز من يدعون صداقة لبنان - الأميركيون والفرنسيون - إلى إسرائيل
ووقوفهم ضد المقاومة بحجة الحرب على الإرهاب!، بما يمكن وصفه بأنه نصف انتصار لكلا الطرفين، انتصار عسكري للمقاومة وهزيمة سياسية وانتصار سياسي لإسرائيل وهزيمة عسكرية. وإذا كان هذا هو إطار الصورة بأضلاعها الأربعة كما يراها السياسيون والإعلاميون،
فلا بأس من تكرار التأكيد بأن الرأي أي رأي، هو نتيجة لمدى الرؤية وكل يرى من زاويتين ووفق الضوء المتاح أمامه، وطبقاً لرؤيته ورؤاه، ولكن دعونا بعد ذلك نتساءل.. إذا كانت الحروب العسكرية بين الجيوش النظامية، في الصراع العربي الإسرائيلي من حول فلسطين لم تنجح حتى الآن في جلب السلام وحتى الآن لشعوب هذه المنطقة التي خرجت منها رسالات السماء مبشرة بالسلام،
وإذا كانت العمليات السلامية، من قرارات دولية ومبادرات سياسية لم تؤد على مدى ستين عاماً من عمر هذا الصراع إلا إلى تجدد الحروب العسكرية، فما هو الحل إذاً لإنهاء هذا الصراع الذي يحقق الدمار والخراب لكل أطرافه ويخرج فيه المحاربون إما بنصف انتصار أو بنصف هزيمة، لتبقى النتيجة هي اللا نصر واللا هزيمة، مما يدفع إلى الحروب من جديد لحسم الصراع.
وإذا كان الحل هو عدم اللجوء إلى الوسائل العسكرية، والسعي إلى محاولة الحل بالوسائل السياسية من خلال المشاريع الدولية، وامتهان سياسية اللا حرب تجنباً للثمن الباهظ من الدماء والأرواح ومنعاً للدمار والخراب الذي يحل بأطراف أي حرب، بينما لم تفض حالة اللا حرب إلى تحقيق السلام القائم على العدل، لنصل في النهاية إلى حالة من اللا حرب واللا سلم.
تبدو صورة المنطقة في النهاية في إطار من أربعة أضلاع هي اللا نصر واللا هزيمة واللا حرب واللا سلم وهي حالة لا يمكن القبول بها من أي من أطراف الصراع وغير قابلة للاستمرار فما هو الحل؟!
والحل لن يكون هنا إلا بواحد من ثلاثة إما باستسلام أصحاب الحق سلماً أو قتالاً وإما بتسليم المحتلين بعودة الأرض لأصحابها سلماً أو قتالاً .. وإما باستمرار مقاومة كل أصحاب الحق لكل الغاصبين لهذه الحقوق إلى يوم القيامة للوصول إلى إحدى الحسنيين الشهادة أو النصر الحاسم.
لأن الحياة في النهاية ما هي إلا صراع دائم بين الخير والشر وبين الحق والباطل إلى يوم القيامة وكل يختار وفق رؤيته بحريته ومسئوليته الخيار الذي يريده وفقاً لمدى الضوء المتاح أمامه في نهاية النفق، مع إدراك عميق، بأن الإنسان قد يموت ولكن الحق لن يموت.
mamdoh77t@hotmail.com