من تقاليد الحروب أن يتم في ختامها تحديد الخاسر والرابح. فيمضي قدماً المنتصر بما حققه من نتائج ملموسة على أرض الصراع القائم. أما الخاسر فلابد أن يرتد إلى نحره خائباً. ومن المفروض أن تكون حرب لبنان الأخيرة كسائر الحروب يتم في نهايتها تحديد الرابح والخاسر. الأمر الذي ميز هذه الحرب المليئة بالمميزات هو أن الحرب انتهت دون نتائج ودون أن يرتد أحد الطرفين إلى نحره، كما أن الجميع يعلنون الانتصار.
ولكي نناقش جدليات النصر الذي يدعيه الطرفان لابد أن نثبت مفهومنا للنصر والذي من المفترض أن يكون تغييراً أنتجته الحرب ومساراتها العسكرية أو الدبلوماسية لصالح احد أطراف الصراع. فما هو النصر الذي يدعيه طرفا الصراع؟
الطرف الأول: إسرائيل تدعي أنها حققت نصراً، وأنها ستستمر في تلقين حزب الله درساً مهماً من خلال قطع خطوط إمداداته البرية والجوية والبحرية هذا بالإضافة إلى الضعف الاستراتيجي الذي سيشل حركة مقاتلي حزب الله نتيجة وقائع الأرض التي رسمها القرار الدولي والذي يتضمن إخلاء عناصر حزب الله من منطقة جنوب نهر الليطاني، وفرض سلطة الجيش اللبناني على الحدود، ونشر القوات الدولية.
ربما ما تدعيه إسرائيل يبدو صحيحاً حيث إنها استطاعت أن تفرض حصاراً برياً وبحرياً وجوياً على حزب الله. ولكن هل هذا تغيير يحسب لصلح إسرائيل؟ بعبارة أخرى، هل هذا نصر إسرائيل الذي كلفها أربعة أسابيع من الخسائر؟ هل فعلاً حزب الله لن يهدد إسرائيل والأمين العام لحزب الله أعلن أن المقاومة سوف تستمر إلى أن تتحرر الأرض؟
المحور الثاني: حزب الله الذي أعلن هو الآخر انه حقق اكبر انتصار على إسرائيل مدعياً أن الانتصار هو انه قاوم إسرائيل إلى أن أذعنت إلى قرار مجلس الأمن. ربما هذا الادعاء صحيح ولكن ما هو التغيير الذي يحسب لصالح حزب الله في هذه الحرب؟ إذا كانت المقاومة هي ما يدعيها انتصاراً لماذا إذاً سوف يتم إعادة الجنديين الإسرائيليين اللذين تم اختطافهما؟
وهل يسمي حزب الله تدمير القرى في الجنوب وآلاف اللاجئين والمجازر البشعة والدمار الكبير في لبنان انتصاراً للمقاومة؟ والسؤال الأهم هل أن هذه المقاومة التي يدعيها متجانسة مع الواقع اللبناني بالشكل الذي يجتمع عليه كافة اللبنانيين وليس بعضهم؟
بين هذين المحورين هنالك الحقيقة المخفية التي لابد أن نراها جيداً وهي أن المنتصر الحقيقي هو من صار التغيير الناجم عن وقائع الحرب لصالحه. ونتصور انه واضح، فالحرب في لبنان قادت إلى تغير مهم وهو اختفاء الملفات الساخنة التي شغلت الرأي العام الدولي وأهمها ملف التحقيق في مصرع رفيق الحريري وكذلك الملف النووي الإيراني.
هذه الملفات الآن أصبحت ماضياً أمام سخونة ملف الحرب على لبنان وتبعاتها. هذا التغير يحسب لصالح إيران وسوريا. ونضيف أن الولايات المتحدة صار عليها أن تفكر ألف مرة قبل أن تحاول توجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية. لأن ذلك قد يعني انهيار السلام الهش بين حزب الله وإسرائيل من جهة. وان الصواريخ هذه المرة قد تصل إلى تل أبيب من جهة أخرى.
والدرس الأخطر هو أن وضع القوات الأميركية في العراق سوف يصل إلى اخطر درجاته. أي أن إيران سوف تفتح النار على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة إلى أقصى حدوده وسوف تكون الحرب في قلب الشرق الوسط الذي هو منطقة المصالح الحيوية سواء للولايات المتحدة ولحلفائها.
إن حرب لبنان ما هي إلا حرب خاسرة سواء للعرب أو لإسرائيل أو لحزب الله. ولكن النصر إلى الآن محسوم لا يقبل الجدال لأصحاب الملفات الساخنة وخاصة إيران وحليفتها سوريا. أما ما تحيكه الدوائر الأميركية والإسرائيلية فهو مخطط لا تزال معالمه مرهونة بدراسة أبعاد المتغيرات المادية والبشرية في المنطقة والتي هي في حراك مستمر
على الرغم من أن هذه الدوائر تعي أن هذا الحراك مهما بدا متبدلاً إلا انه لا ينفك محصوراً في جدليات الصراعات التاريخية التي تحاصر الأمة العربية. المخططون في الخفاء يشكلون جدلية أخطر لأنهم يراهنون على مستقبل الأمة ومصالحها وبقائها.
أما الصراعات الجانبية بين الزعماء العرب ودبلوماسية الاختفاء والصمت وقلب الصفحة التي تجيدها الحكومات العربية فهي لن تحمي أي دولة عربية بقدر ما سوف تشكل الوقت المستقطع الذي يحتاجه المتصارعون الحقيقيون لكي يرتبوا أوراقهم لصراع آخر مسرحه الأرض والدم العربي.
كاتبة عراقية