من يتابع ما يجري على الساحة الآن ومنذ وقف إطلاق النار في لبنان، سيدرك على الفور أن إسرائيل على شفا إعصار سياسي سيعصف بحكومة ايهود أولمرت. وهذا هو ما جنته الدولة العبرية من عدوانها الدموي الوحشي الذي ظنت أنها ستجني من ورائه ثماراً لا حصر لها، تعزز بها مخططاتها في المنطقة.

أولمرت يترنح هو وأفراد حكومته التي كانت تتباهى قبيل شن عدوانها بأنها ستلقن لبنان درساً قاسياً يعيدها لعقود ماضية إلى الوراء، فإذا بالبلد العربي الصغير مساحة وسكاناً والكبير في صموده وصلابته وقوة عزيمته، يخرج من عدوان أولمرت وزبانيته شامخاً متماسكاً غير مبالٍ بحجم الدمار والخراب الذي انتشر في معظم مدنه وقراه لأنه لم يقدم شيئاً لإسرائيل سوى تلقين جيشها الإرهابي الدموي درساً لن ينساه،

بل إن أبناء لبنان البطل أكثر حماساً لخوض سباق مع الزمن لكي يسترد الوطن عافيته بإزالة آثار جرائم أولمرت التي أجمعت المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة العفو الدولية أنها من أبشع جرائم الحرب في عصرنا الراهن.

الإعصار السياسي يقترب بسرعة من حكومة أولمرت. المظاهرات الإسرائيلية تطالبه بالاستقالة، وأمس كشف استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون استقالته هو ورئيس أركان جيشه دان حلوتس الذي يحمل بجدارة لقب«قاتل الأطفال» سواء لقتله براعم فلسطين المغتصبة أو لبنان.

هذا الجنرال الإسرائيلي الذي كان يقول في الماضي «إنه لا يشعر بوخز الضمير عندما يتلقى أنباء من طياريه أنهم أغاروا على الصغار الفلسطينيين داخل مدارسهم»، يعترف بفشله في لبنان بل وأيضا في فلسطين المغتصبة، إذ أقر أن إسرائيل لم تحقق انتصاراً لا على حركة المقاومة الإسلامية الصامدة «حماس» ولا على حركة المقاومة اللبنانية الباسلة«حزب الله».

وللتخفيف من وطأة الإعصار السياسي الذي يواجه حكومة أولمرت ولا مناص منه،شكل وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس لجنة تحقيق يرأسها رئيس الأركان السابق أمنون شاحاك، وهي لا تكفي من وجهة نظر الإسرائيليين، إذ يطالبون بلجنة رسمية مماثلة للجان التي شكلت في أعقاب حرب أكتوبر عام 1973.

في موازاة ذلك، نجد أن لبنان الشامخ، يسعى إلى بدء مرحلة جديدة تترسخ خلالها سيادة الدولة على أراضيها وتمضي من خلالها معزوفة البناء والتعمير بسواعد أبنائه الذين يتفاخر بهم كل عربي . لبنان الكبير بصموده، لم يفلح العدوان والمخطط الإسرائيلي في أن ينال من وحدته الوطنية الصلبة.

صحيح أن هناك تبايناً في المواقف والاتجاهات السياسية بين أطيافه، إلا أن هذا التباين لم ولن يؤثر على تماسكه ووحدته التي راهنت إسرائيل على تفكيكها. ولعل البيان الذي صدر في الأسبوع الماضي عن العلماء اللبنانيين المسلمين الشيعة والسنة والذي جدد الالتزام بالوحدة الوطنية بين المسلمين من جهة وبين المسيحيين والمسلمين من جهة أخرى،

يؤكد أنه من الصعب بل والمستحيل أن تتسبب المواقف السياسية المتباينة في النيل من وحدة لبنان، لأنها كلها مواقف تصب في صالح الوطن الواحد غير القابل للتمزق رغم أنف الذين خططوا ومازالوا لتفتيته. ومن المواقف التي تؤكد أن لبنان سيسلم من أية فتنة سياسية، هو الموقف الرائع من جانب مقاومته الباسلة التي أكدت أنها لن تخرج عن المنظومة اللبنانية الرسمية.

فقد أكد قادتها أنها لن تخرق الهدنة، ولن ترد على الانتهاكات الإسرائيلية إلا بقرار من الحكومة اللبنانية . هذا الموقف الملتزم الذي كشف عنه النائب اللبناني في كتلة حزب الله النيابية محمد رعد، يدحض أقوال الذين يزعمون أن المقاومة «دولة داخل دولة».

لبنان سيتجاوز آثار العدوان الإسرائيلي في زمن قياسي، وسنراه بنياناً قوياً بسواعد رجاله الأبطال. أما إسرائيل فستظل تترنح، فآثار نكستها في لبنان لم تنته فصولها بعد، بل ما نشاهده على ساحتها السياسية ربما هو بداية الانكسار.