يعتبر إدغار موران أحد كبار المفكرين الفرنسيين المعاصرين. وقد اشتهر كعالم اجتماع وكفيلسوف منخرط في هموم العصر وقضاياه في آن معاً. وكتبه أصبحت مراجع كلاسيكية للباحثين وطلبة الدراسات العليا. وهو ينتمي إلى جيل ميشيل فوكو، ورولان بارت، وبيير بورديو، ولويس ألتوسير

وكل ذلك الرعيل الأول الذي اختفى الآن بعد أن تجاوز الثمانين. وبالتالي فهو من آخر المتبقين على قيد الحياة. وعلى الرغم من أن الرجل يهودي الأصل بل وفقد بعض أفراد أسرته في المحرقة النازية الشهيرة إلا أنه تميز دائماً بموقف نقدي تجاه إسرائيل.

وهو من هذه الناحية يشبه مكسيم رودنسون الذي طالما أثار عليه حفيظة المتعصبين لإسرائيل بدون قيد أو شرط. والصهاينة الغلاة يصنفون موران كما رودنسون في خانة «اليهود الذين يكرهون أنفسهم». والمقصود أولئك اليهود «المازوشيين» الذين من شدة ما تعرضوا للاضطهاد والنظرة الاحتقارية عبر التاريخ أصبحوا يكرهون ذاتهم ويتمنون لو أنهم لم يخلقوا يهودا.

ولكن ما هو أنكى من ذلك هو أنهم اتهموا ادغار موران مؤخراً بالتشنيع العنصري ضد اليهود! فكيف يمكن أن يكون ضد اليهود وهو يهودي؟ ولكن لحسن الحظ فإن محكمة النقض في باريس رفضت إدانته بهذه التهمة بعد أن كانوا قد نجحوا في إلصاقها به أثناء المحاكمة الأولى.

وهذا دليل على أنه يوجد قضاء نزيه ومستقل في فرنسا. ولولا ذلك لاستطاع اللوبي الصهيوني تثبيت الإدانة عليه وعلى بعض الشخصيات الأخرى. وملخص القصة على النحو التالي: في عام 2002 وفي عز الانتفاضة الفلسطينية والقمع الإسرائيلي الرهيب لها لم تتمالك مجموعة من المثقفين اليهود وغير اليهود من القيام برد فعل ضد إرهاب الدولة هذا،

ولذلك نشروا في جريدة «اللوموند» الفرنسية بياناً ينددون فيه بآلة الحرب الإسرائيلية. وكان مما قالوه هذا الكلام العميق الذي ينبغي على كل مثقف عربي أن يطلع عليه. قالوا: بالكاد نستطيع أن نتصور أن يتحول اليهود خلال جيلين فقط من شعب مسحوق إلى شعب ساحق ومهيمن على الآخرين. وما عدا أقلية رائعة وإنسانية فإن اليهود تحولوا إلى شعب يجد متعة في اضطهاد الآخرين وإذلالهم.

ثم يردف ادغار موران قائلاً: هل ينسى يهود إسرائيل أنهم سلالة ضحايا التمييز العنصري المدعو بالغيتو؟ فلماذا إذن تحولوا إلى شعب يضطهد الآخرين ويحشر الفلسطينيين في الغيتوهات؟ إن اليهود الذين كانوا أكثر شعوب العالم تعرضاً للاضطهاد على مدار تاريخ البشرية تحولوا الآن إلى شعب مغرور، واثق من نفسه وميال إلى الهيمنة والبطش.

إن اليهود الذين تعرضوا لأبشع أنواع الاضطهاد والإذلال والاحتقار هم الآن يمارسون نفس الشيء على الفلسطينيين بدون أي رادع او وازع.هذا الكلام الذي يبدو بدهيا بالنسبة لأي مثقف شريف أثار على ادغار موران عاصفة من الانتقادات في فرنسا. ثم تألبت عليه الجمعيات الصهيونية ورفعت ضده دعوى أمام المحكمة بتهمة التشهير العنصري بالشعب اليهودي.

ولكن المثقف التنويري المعروف جان كلود غيبو تصدى لهم دفاعاً عن ادغار موران. واستطاع أن يحشد حوله تأييد عشرات المثقفين الفرنسيين. وهكذا وقع مائة وخمسون مثقفا على عريضة تأييداً للفيلسوف الملاحَق.

ما الذي تعنيه كل هذه القصة التي لخصنا للقارئ خطوطها العريضة هنا؟ إنها تعني أنه توجد داخل الشعب اليهودي أصوات حرة تدافع عن الحقيقة حتى ولو كانت جارحة. لا ريب في أنها أقلية، ولكنها موجودة.

كما وتعني أنه ليس جميع المثقفين الفرنسيين مؤيدين لإسرائيل على طول الخط ظالمة كانت أم مظلومة. وإنما هناك العديدون ممن اكتشفوا الطابع القمعي الرهيب لدولة إسرائيل. لا ريب في أنهم كلهم مع حق هذه الدولة في الوجود ولكن بشرط أن تقام دولة أخرى للفلسطينيين الى جوارها وأن ينتصف لهذا الشعب المغدور على أرض آبائه وأجداده.

ولكن هذه القصة تعني شيئاً آخر أيضاً. إنها تعني أن المظلوم قد يتحول إلى ظالم إذا ما سنحت له الفرصة. وربما يزداد ظلمه للآخرين ويصبح سفاحاً أكثر كلما كان الاضطهاد الذي لحق به في الماضي كبيراً. كل شيء يحصل كما لو أنه يريد أن ينتقم لنفسه من كل تلك السنوات القاحلة التي انصبت عليه فيها نار الاضطهاد والظلم.

من هنا شراسة الصراع العربي-الإسرائيلي وطابعه المدمر إلى أقصى حد ممكن. يلزمنا تحليل نفسي لكي نفهم السبب العميق لما يجري حالياً. فلا تكفي التحليلات السوسيولوجية أو السياسية وإنما ينبغي أن نستخدم منهجية علم نفس الأعماق لكي نفهم دوافع الشخصية الإسرائيلية وسبب ردود فعلها العنيفة إلى أقصى حد ممكن ضد الفلسطينيين واللبنانيين والعرب أجمعين.

فهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يتاح فيها للشعب اليهودي أن يكون مسيطراً على الآخرين ويمتلك كل وسائل القوة التكنولوجية العليا. على مدار التاريخ كان شعباً مضطهداً، محتقراً، سواء من قبل أوروبا المسيحية أو من قبل غيرها.

وبالتالي فعندما أتيحت له الفرصة راح ينتقم من كل قرون الاضطهاد دفعة واحدة ويصب جام غضبه على الفلسطينيين الذين لا علاقة لهم بمحرقته واضطهاده الأعظم. وهذا من مفارقات التاريخ العجيبة. ولكن هناك درس آخر نستخلصه من محنة ادغار موران وربما كان الأهم ألا وهو: أن المثقف الحقيقي ليس هو ذلك الذي ينهض ضد الآخرين ويشنِّع بهم،

فهذا العمل سهل لا يكلف صاحبه غالياً من الناحية النفسية. وإنما هو ذلك الذي ينهض ضد جماعته بالذات ويخوض حرباً ضروساً ضد عواطفه العميقة وعصبيته الطائفية أو القومية المتجذرة. وهو بذلك يطبق الحديث النبوي الشريف الذي يقول: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».

قالوا: «يا رسول الله نفهم أن ننصره إذا كان مظلوماً ولكن كيف ننصره إذا كان ظالماً؟». قال: «تردعونه عن ظلمه».هذا كل ما فعله ادغار موران. لقد حاول أن يذكر اليهود الذين يحبهم ويحرص عليهم لأنه منهم بكل بساطة أن عليهم أن يكفوا عن اضطهاد الفلسطينيين وألا ينسوا أنهم كانوا شعباً مضطهداً يوماً ما،

بل وأكثر الشعوب تعرضاً للاضطهاد على مدار التاريخ البشري.ولكنهم استكثروا عليه ذلك فأرادوا معاقبته.كانوا يريدونه ان يصفق لهم في كل الأحوال كما يفعل بعضهم أو معظمهم.ولكن ماذا يتبقى من المثقف إذا ما ضحى بقيم الحق والعدل؟ وهل يستحق بعدئذ أن يدعى مثقفا؟.

كاتب سوري

باريس