هناك شعور متزايد بالقلق من أن يكون الهدوء على جبهة الجنوب اللبناني تمهيدا لعاصفة حربية جديدة أكثر منه تحضيرا لتسوية سلمية واستقرارا أمنيا يبحث عنه الجنوب منذ مدة طويلة.
المؤشرات الإيجابية التي أعقبت وقف إطلاق النار وأهمها انتشار طلائع الجيش اللبناني في الجنوب وبدء محاولات الإغاثة الإنسانية الضرورية لأهل الجنوب ومحاولة استعادة حراك العجلة الاقتصادية في لبنان من خلال تصليح البنية التحتية الحيوية ، هذه المؤشرات الإيجابية بدأت تتراجع نحو مظاهر قلق ومنها تعثر تشكيل قوة "اليونيفيل المعززة" وتراجع الدعم المباشر الذي تقدمه الدول الأوروبية باستثناء فرنسا وإيطاليا وهما الدولتان الوحيدتان من دول الاتحاد الأوروبي اللتان التزمتا بتشكيل لهذه القوة.
وهذا يعني بقاء ثغرة أمنية مع التأكيد على حق حزب الله في الدفاع عن الجنوب اللبناني من الانتهاكات الإسرائيلية. ومن الواضح ايضا أن إسرائيل تحاول جاهدة استعادة المبادرة العسكرية من خلال شن حرب جديدة وبطريقة أكثر استعدادا من أجل "إزالة آثار" الخسارة العسكرية والسياسية التي تلقتها إسرائيل في لبنان. لبنان لا يزال يداوي جراحه ،
وما زالت النخب السياسية اللبنانية تظهر الكثير من وحدة الحال والتنسيق المشترك والتعاون لمنع الفتنة الداخلية ، ويستمر التركيز على جهود إعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية أكثر من الدخول في جدالات داخلية عقيمة ، وهذا ما ساعد على استمرار موقف لبناني موحد أثار الغيظ الكثير من الجهات التي لا تريد الخير للبنان ، ومنع تنفيذ المخطط الإسرائيلي الأميركي لجر لبنان إلى أتون فتنة داخلية جديدة.
ولكن الخطورة قائمة في أن تكون هناك حرب جديدة قيد التحضير لأن كل الأطراف التي شاركت في الحرب عسكريا وسياسيا لم تحقق كل أهدافها ، وفي إسرائيل خاصة لم تستطع العملية العسكرية استعادة الجنديين المخطوفين ولا تدمير القدرة القتالية لحزب الله كما أدت إلى هزيمة سياسية ونفسية غير مسبوقة لإسرائيل ، ستجعل هذا البلد المبني على العدوانية الدائمة ينتظر أية فرصة لشن عدوان عسكري جديد لمحاولة استعادة "قوة الردع" الوحشية التي سقط تأثيرها في هذه الحرب.
لكل الأطراف مصالحها إذن والتي قد يلتقي بعضها لبدء دولة جديدة من الحرب ولكن مصلحة لبنان بشعبه ودولته لا تتجاوز بندا واضحا وهو منع الحرب بأية وسيلة واستعادة الأمن والاستقرار لإعادة بناء ما دمرته الحرب ، أما النتائج السياسية والعسكرية الملتبسة للحرب فهي ليست من مصلحة لبنان وشعبه ، ومصدر الخشية الأساسي هو في سيادة منطق تصفية الحسابات العسكرية على منطق البناء والاستقرار.
يجب توجيه كل الدعم لجهود منع الحرب الجاثمة تحت الرماد. النقاش السياسي يمكن تأجيله ولكن من الخطير الاندفاع وراء مواقف متطرفة واستقطابية حتى لو كانت تملك حقا سياسيا لا يمكن تجاهله ، فالهدف الأساسي الآن هو منع لبنان من أن يتعرض لضربة إسرائيلية جديدة مهما كان الثمن والاستمرار في تهيئة الظروف لتسوية شاملة تحفظ الحق اللبناني وتكبح جماح العدو الإسرائيلي الذي ينتظر اقتناص لحظة سلبية جديدة لفرض الأجندة العدوانية على الشعب اللبناني من جديد.