مرة أخري‏,‏ تعود سوريا إلي إثارة توترات ومشكلات من المؤكد أن العرب جميعا وفي مقدمتهم سوريا ذاتها في غني عنها‏,‏ لكن ذلك أصبح علي مايبدو إحدي السمات المميزة للسياسة الخارجية السورية خلال الفترة الأخيرة‏.‏

فلم يكد يمر أسبوع واحد علي خطاب الرئيس السوري الذي صوب فيه سهامه إلي الأشقاء والأصدقاء بشكل غير مسبوق‏,‏ حتي خرجت دمشق علينا أمس بمواقف جديدة تعكس حالة من حالات التخبط في المواقف السورية بافتقاد الرؤية والتوجه‏,‏ فقد صدر عن القيادة السورية تحذير من نشر قوات دولية علي الحدود بين سوريا ولبنان لأن من شأن ذلك أن يوجد حالة عداء بين البلدين‏,‏ كما أنه يمثل انتهاكا للسيادة اللبنانية‏.‏

ويبدو أن دمشق نسيت أن لبنان دولة ذات سيادة يحق لها أن تنشر داخل حدودها ما تريد من قوات مادامت لم تتدخل في شئون الآخرين‏,‏ كما أن نشر القوات الدولية مرتبط بقرار مجلس الأمن رقم‏1701‏ الذي أنهي أكثر من شهر من المعارك في لبنان‏,‏ أي أن القضية تتعلق بلبنان وإسرائيل‏,‏ وبالتالي فإن المواقف السورية الجديدة تعد تدخلا سافرا في الشئون اللبنانية‏.‏

ثم إن سوريا ليس لديها ما تخشاه من نشر مثل هذه القوات مادامت تمارس سيادتها كاملة داخل حدودها وتمنع وصول أي شحنات للأسلحة إلي داخل لبنان كما يطالب القرار الدولي‏,‏ إلا أن الأخطر من ذلك كله أن مثل هذه المواقف تكرس عزلة سوريا وليس صحيحا ما تؤكده دمشق مرارا من أن من يعزل سوريا يعزل نفسه عن القضايا الأساسية لأن سوريا هي التي تعزل نفسها عن القضايا الأساسية بمثل هذه المواقف التي تعد تدخلا في شئون الآخرين بل في كثير من الأحيان تهجما وسخرية منهم‏..‏

وبالتأكيد فإن دمشق التي تعاني سلسلة مشكلات وصعوبات داخلية وخارجية ليست في حاجة إلي مزيد من العزلة الخارجية إلا إذا كان ذلك سياسة رسمية تستهدف المزايدة علي مواقف الآخرين لمصلحة اكتساب شعبية وهمية واقناع الجماهير السورية بأن سوريا هي دولة الممانعة والصمود الوحيدة في المنطقة‏.‏

إن صانع القرار السوري بحاجة إلي من يصارحه بشكل مباشر ودون لف أو دوران بأن استمرار مثل هذه المواقف ليس في مصلحته أو في مصلحة سوريا علي الإطلاق وأن هناك من يتصيد الأخطاء حتي ينقض علي سوريا‏,‏ والحكيم هو من يعيد تقييم مواقفه بدلا من الانسياق وراء سياسات أقل ما يمكن أن توصف به أنها غير ناضجة ومتهورة ومن شأنها الإضرار الشديد بسوريا والعرب جميعا‏.‏