على أبواب الجولة القادمة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، والتي تشكل جنينها في رحم قرار مجلس الأمن رقم(1701 ) ولغته المخاتلة، ونهجه المفارق للحق، المشحون بالتناقضات، تظهر في الأفق أقنعة سيتخفى بها وجوه لاعبين رئيسيين، من صناع قرار الحرب على العرب.

وخلف كتيبة العمليات المعادية مرجفون من بني جلدتنا سيوكل لهم هذه المرة مهمة أخطر من تلك التي حاولوا القيام بها غداة حرب الـ (33 يوما) وفشلوا فشلا ذريعا، بسبب الهبة الشعبية في عواصم عربية وإسلامية وأجنبية، واضطروا للعق تصريحاتهم ، التي كانت اشبه بأسلحة فاسدة تذكر العرب بخيانات حرب النكبة عام 1948 .

الجولة القادمة من العدوان على لبنان، والمتصلة في غزة والضفة، حقيقة ليست بحاجة لأدلة، فقادة العدو الصهيوني تنسال تصريحاتهم حول التحضير لجولة جديدة تكمل تحقيق الأهداف التي فشلت إسرائيل في انجازها،رغم تبجح الجنرال المهزوم دان حلوتس، وزعمه انه تم الانتصار على حزب الله بالنقاط، وليس بالضربة القاضية، أو حديث الرئيس الأميركي جورج بوش عن انتظار الزمن لمعرفة ان المنتصر هو إسرائيل، أو تفاؤل وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس بنزع سلاح حزب الله ولو بعد حين.

هذه الثقة وهذا التفاؤل، يغطى فشلا وهزيمة بالضربة القاضية الحقها حزب الله باسرائيل، وفقا لاعترافات محللين صهاينة واوروبيين، فمثلا، اعتبر المحلل العسكري الإسرائيلي زئيف شيف في صحيفة «هآرتس» يوم 11 اغسطس، ان حزب الله صفع جيش الدفاع الذى لايقهر صفعة مؤلمة.

إلا أن الكاتب رؤوبين بن هتسور رد في عدد 16 أغسطس معتبرا ان إسرائيل هزمت بالضربة القاضية،وبنص كلامه « لسنا أمام فشل عسكري، فقط، هذا فشل استراتيجي لم تتضح بعد تبعاته وإسقاطاته السلبية بعيدة المدى، وإسرائيل الآن مثل ملاكم تلقى صدمة الضربة القاضية ومازال جاثما على الأرض في شبه إغماءة، يحاول فهم ما حدث».

اضططرت للتذكير بهذه الكلمات التي نطق بها بعض الصهاينة اعترافا بهزيمة إسرائيل، لان طابور المرجفين العرب يتبجح بغير ذلك، وينفخ في مزماره لحنا نشازا يشوش على اهازيج النصر، بأسئلة عبثية مثيرة للفتن، تحاول تجميل وجه الخيانة القبيح بمساحيق خداعة، لكن كما يقول ابناء شعبنا «لا يصلح العطار ما أفسده الدهر، وايش تعمل الماشطة في الوجه العكر».

فريق المرجفين العرب و«أكثرية» لبنانية في مقدمتهم،سيكون ضمن قوات الاستطلاع والحشد والتعبئة والترويج للعدوان القادم، مدفوعاً بافلاسه وإخفاقه الذريع في الوفاء بوعود قطعوها على أنفسهم أمام كوندي ومساعدها وولش بان يقدموا سلاح حزب الله على طبق من فضة، بعد ان وبختهم بكلام مخز،ولم يخالجهم اى شعور بالندم أو الذنب على انهم قلدوا المندوب الأميركي جون بولتون وساما لبنانيا رفيعا.

وهو الذي تولى بالوكالة عن تل أبيب تضمين قرار مجلس الأمن كل العبارات المضللة التي تفتح باب الحرب على لبنان وتعفى المعتدى من اي مسئولية بل تكافئه، وتمنحه أكثر مما فشل في الوصول اليه بالقوة العسكرية.

لكن، اي اقنعة سيتسلل بها العدوان القادم؟ من المؤكد انها لن تختلف كثيرا عن الأسلوب الذى نفذت به عملية بعلبك بعد وقف إطلاق النار أو « الهدنة الهشة» حيث تخفى ضباط وجنود وحدات المستعربين، الإسرائيلية الخاصة «المجوقلين» بمروحيتين في زى جنود الجيش اللبناني، وهم واثقون من انجاز مهمة اختطاف الشيخ محمد يزبك عضو قيادة حزب الله.

الا ان لكنتهم غير اللبنانية افشلت المهمة، وارتدوا خائبين، لكن هل يمنع تكرار حادث مشابه، بالتخفي في زى القوات الدولية «اليونيفيل» بالتأكيد، لا، طالما ان الامم المتحدة غارقة في عجزها وليس بمقدورها اتهام إسرائيل بخرق الهدنة وانتهاك قرار المجلس.

أقنعة العدوان القادم، عمليات اختطاف واغتيالات واقتحامات خاطفة لتدمير مواقع للمقاومة، تعفى الجيش الإسرائيلي من الخسائر الفادحة التي تكبدها في اي مواجهة، ولا تسمح بتكرار ملاحم بنت جبيل أو مارون الرأس، وسيعتمد الإسرائيليون على إثارة الفتن بعملياتهم التنكرية بين المقاومة والجيش اللبناني، وسيجدون العون والإسناد من طابور العملاء، السابقين، ومن لف لفهم، على غرار عملية ثكنة مرجعيون، وبطلها الضابط الاسرائيلى «اشعيا» الحامل لاسم مسيحي قام بدور المرشد لليهود.

وحتى لا يظل لبنان «أسير حرب» إسرائيل، بالصيغة التي نحتها الكاتب القدير غسان توينى في النهار، فإننا بحاجة فعلا إلى مبادرة في حجم الأزمة، لان الخطر القادم اعتى من سابقه،وفتنة أمواجها تتلاطم، ويأخذ بعضها بخناق بعض، ولن يجد المراهنون على واشنطن اى طوق نجاة، فأجندتها تختلط بنودها مع تلك الصهيونية، بحيث يصعب التمييز بينهما، وبالتالي لا مكان لأي مفرط أو خانع أو موالى، سوى المكان الذي منح لانطوان لحد وغلمانه «البحث في القمامة الإسرائيلية عن لقمة عيش».

الخلاصة، أياً كان توقيت الجولة القادمة للعدوان، فان مصيره سيكون هذه المرة فشلا مدويا مهما تسلح بأحدث ترسانة الدمار، فالحرب، جردت إسرائيل وللأبد من أسطورتها وقوتها الرادعة الموهومة، وأعادت للشعب العربي الثقة في سلاح الإرادة والمقاومة.