هناك سؤال يطرح نفسه على العقل اللبناني والعربي والإسلامي.. ماذا تريد كل من واشنطن وباريس في لبنان أو من لبنان أو للبنان؟، خصوصاً وهم أصحاب مشروع القرار الدولي الذي مهد للقرار 1701، وهم أيضا أصحاب القرار 1559 الذي أثار السجالات والأزمات في لبنان ومن حول لبنان، بينما تدعي كل عاصمة منهما صداقة خاصة للبنان وحرصاً على دعم حكومة لبنان!
ونقول، ربما لا تريد واشنطن شيئاً للبنان بقدر ما تريد أشياء من لبنان. وربما أيضا تريد باريس أشياء في لبنان في الوقت الذي تريد فيه شيئاً للبنان. وربما كان هذا التمايز في المنطلقات والأهداف بين العاصمتين هو الذي يجعل مواقفهما تجاه لبنان تبدو متباينة أحيانا في الوقت الذي جمعهما المسار الواحد سواء في القرار المشترك السابق وفي القرار المشترك الحالي.
إن واشنطن تريد من لبنان ان تكون بوابتها الجديدة بعد فشلها في الدخول من بواباتها القديمة في فلسطين والعراق وأفغانستان لتنفيذ مشروعها للهيمنة على المنطقة بالشراكة مع حليفتها «تل ابيب»، لوراثة النفوذ الاستعماري القديم لكل من لندن وباريس عملاً بنظرية ملأ الفراغ الأميركية الشهيرة، الذي خلا بغروب شمس الإمبراطوريات القديمة.
وبينما اختارت بريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التبعية الدائمة لأميركا المهينة لأوروبا ضمانا لاستمرار نفوذها في إطار النفوذ الأميركي القادم سعت فرنسا إلى سياسة أوربية موحدة ودعت إلى أوروبا المستقلة عن المظلة الأميركية، وهذا هو الذي يفسر معظم المنافسات والتباينات بين «الانجلوفونية».\
و«الفرانكفونية» في السياسات الدولية وهو نفسه الذي يفسر أسباب تلاقي الجانبين في الرأي تجاه عدو أو منافس مشترك. بينما تريد باريس أن يستمر تأثيرها السياسي والثقافي في لبنان، وألا يطغى التمدد الأميركي الإسرائيلي على ما تعتبره علاقة خاصة مع بيروت، أو منطقة نفوذ لها علي خريطة الشرق الأوسط.. الجديد أو الكبير.. لا فرق.
وفي حين تريد واشنطن من لبنان ألا تكون ساحة للتأثير الإيراني على مخططاتها الشرق أوسطية بالأساس، أو عنصر قوة لها في إطار المواجهة الأميركية مع إيران حول قضية الملف النووي، تريد باريس ألا تكون ساحة للتأثير السوري بالأساس وذلك في إطار منع السوريين من حرمانها من زيادة التأثير الفرنسي فيها.
وبينما تريد واشنطن من لبنان أن يتحول من حليف لسوريا إلى حليف لأميركا ضدها، وإلى منصة لقصف سوريا ومعبراً لتمرير المخططات الأميركية والإسرائيلية ضد سوريا، تريد باريس في لبنان حكومة ترتبط بها ولا ترتبط بدمشق، وتكون نموذجاً غربياً أكثر من كونه بلداً عربياً إسلاميا ونقطة عبور فرنسية لمد نفوذها على سوريا.
وبينما تريد واشنطن أن تجعل من إسرائيل الدولة الإقليمية الكبرى في المنطقة وتفرض باسم السلام على دول المنطقة واقع الاستسلام، تريد باريس للفلسطينيين العيش بسلام في دولة مستقلة على حدود 67، وضمان أمن إسرائيل في ظل سلام شامل (ليس بالضرورة عادل) في المنطقة يقوم على تسوية عن طريق التفاوض لا العنف. وأخيراً وليس آخراً..
تريد أميركا «الديموقراطية» القضاء على نتائج الديموقراطية التي رفعت «حماس» الفلسطينية و«حزب الله» اللبناني وهي حركات مقاومة شعبية إسلامية إلى مقاعد الحكم والمجالس النيابية بانتخابات ديموقراطية، بحجة مرفوضة أو زائفة هي أنها منظمات إرهابية، وتخوض حرباً ضدهما باعتبارهما مقاومة وطنية إسلامية تهدد أمن إسرائيل بحجة الحرب على دول الإرهاب!
فيما تحترم فرنسا نتائج الانتخابات الديمقراطية في فلسطين ولبنان، ولكنها لا تتعامل مع كل من «حماس»، أو «حزب الله» مجاراة لواشنطن فيما يسمى بالتحالف ضد الإرهاب، وتناهض حزب الله خصوصاً باعتباره حليفاً لسوريا التي «لا تثق فيها فرنسا» على حد قول الرئيس «شيراك» بحجة اتهامها باغتيال الرئيس «الحريري» تلك الحجة الزائفة التي لم تثبت بعد!!
من هنا ينطلق قطار السياسة الفرنسية والأميركية كل من محطة، وكل إلى هدف، هذا من لبنان إلى فلسطين، وذاك من فلسطين إلى لبنان، وهذا ما يترجم التلاقي والتباين في المحطات فيما يعكسه القرار الدولي الأميركي الفرنسي.