أفرزت الحروب الأميركية الحديثة على دول العالم المختلفة بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 تركيزاً واضحاً على مفهومي الإرهاب والمقاومة؛ بات من الصعب وضع حد فاصل بينهما بسبب تشابك الرؤى واختلاف الثقافات والمصالح والطموحات المتوخاة.

تميل الدول الغربية أو القوية والتي لها ماض استعماري إلى اعتبار كل عمل يعيق توجهاتها وطموحاتها ضد الشعوب الأخرى إرهاباً، في نفس الوقت الذي تعتبر الشعوب نفس تلك الأعمال التي تقوم بها مقاومة واجبة مشروعة بل مقدسة، في الوقت الذي يُنظر إلى المقاومين كأبطال شجعان وإذا ما قُتلوا شهداء تعتبرهم الدول المعتدية المتجبرة إرهابيين، إبان حياتهم وبعد أن يقضوا في سبيل قضاياهم المقدسة.

في المنطق الطبيعي فإن المقاومة أمر عادي وطبيعي يأتي من لدن الشعوب المبتلاة التي تُهاجَم في أوطانها ويُعتدى على حريتها وتُمس كرامتها ويُستولى على مقدراتها ويُراد التحكم في سياستها الداخلية والخارجية.

تشبه المقاومة تلك حال جسم الكائن الحي الذي يولّد مقاومة طبيعية ضد أجسام غريبة تدخل إليه على شكل ميكروبات تسبب له الأمراض، أو مقاومة يولّدها الجسم ضد مرض خبيث مثل مرض السرطان إذا ما حلّ به. كذلك إذا ما حل طوفان أو زلزال بدولة أو مدينة سرعان ما تتكاتف جموع البشر لمقاومة ذلك الطوفان أو الزلزال وتأثيراته المدمرة للمزارع والمنشآت والعمران.

من اللاطبيعي والعيب والعار أن يُسأل شعب حلت به مصيبة أو كارثة أو أصابه دمار أو وقع تحت احتلال أو استعمار بأن لا يبدي مقاومة؛ الأمر مشابه للطلب من مريض أن لا يقاوم دمُه وجسمُه المرضَ الذي أصابه. تتعدد أشكال المقاومة ودرجاتها حسبما تفرضه طبيعة العدوان والظلم والاستعمار والاحتلال والإجراءات اللاشرعية المصاحبة لوجوده واستمراره.

هنالك المقاومة بالكلمة واللجوء إلى الوسائل السلمية من المقاومة السلبية مثل أساليب المقاطعة والإضراب والاعتصام والتظاهر وهنالك المقاومة المسلحة لمن يستطيع إلى ذلك سبيلاً.

تحدد المقاومة طبيعة الهدف وطريقة التعامل معه؛ في هذا وذاك يتحمل الاحتلال المسؤولية بأكملها عما ينتج عن مجمل أعمال المقاومة.

على الطرف النقيض هنالك الإرهاب ويعني أي عمل غير مشروع وغير أخلاقي أو حضاري من شأنه إيقاع الرعب والخوف في قلوب البشر، خاصة المدنيين المسالمين العزّل من السلاح، بهدف ابتزاز الضحايا مادياً أو معنوياً أو سياسياً أو أخلاقياً. تتعدد أشكال الإرهاب بتعدد مصادره والأهداف التي يسعى الإرهابيون لتحقيقها. يمارس الأفراد والتنظيمات والأحزاب والحكومات والدول الإرهاب ولأهداف تخدم تلك المجموعات على المدى القريب والبعيد.

تطورت ظاهرة الإرهاب في الآونة الأخيرة وتخصصت فيها دول بعينها، فيما بات يُعرف بإرهاب الدولة. أقرب مثال على ذلك ما تقوما به إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في احتلال أراضٍ أو كامل دول الغير.

حالياً تحتل دولة إسرائيل أراضي كل فلسطين وأجزاء من أراضي لبنان وسوريا، وتحتل الولايات المتحدة دولتي أفغانستان والعراق وأجزاء من أراضي دول أخرى في أنحاء متفرقة من العالم. يشمل الإرهاب الذي تقوم به هاتان الدولتان استعمال القوة العسكرية أو التهديد بها خاصة ضد المدنيين المسالمين، ويمتد ذلك إلى استعمال الأسلحة شديدة التدمير والتلويح باستعمال أسلحة الدمار الشامل. كذلك تشمل أساليب الإرهاب الأميركية الحصار الاقتصادي والتهديد بوقف المساعدات الحيوية عن الشعوب.

لا حاجة هنا للتعريف بما تقوم به دولة إسرائيل في مجال الإرهاب ضد العرب عامة، والفلسطينيين واللبنانيين خاصة؛ وصل الأمر بسادية إرهاب سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن يتصل ضباط الجيش والاستخبارات هاتفياً بمالكي البيوت في قطاع غزة وإعطائهم إنذاراً نهائياً بضرورة إخلائهم المنازل في دقائق معدودة قبل أن تتحول تلك البيوت إلى أهداف عسكرية.

من المؤسف حقاً أنه لا الأمم المتحدة ولا الوكالات الدولية المنبثقة عنها وضعت تعريفاً محدداً للإرهاب والمقاومة يلزم دول العالم، الضعيف والقوي منها، اتباعه في التعامل فيما بينها. ذلك ما جعل مفهومي الإرهاب والمقاومة عرضة للتفسيرات المتداخلة والمثيرة للجدل عند عامة الناس عبر العالم، تفسيرات تسوّقها الدول القوية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وإعلامياً خدمة لأغراضها ومصالحها. لقد تمادت الإدارة الأميركية وإسرائيل في الإجحاف والمساس بالمنطق حين تتهمان من يقاوم جنودهما في ميادين القتال بالإرهاب.

هذا في الوقت الذي يقتل فيه جيشاهما أعداداً كبيرة من المدنيين المسالمين والعزّل وتعتبران تلك الأعمال الوحشية والهمجية دفاعاً مشروعاً عن النفس، بالإضافة إلى ان هؤلاء الجنود يتمتعون بكامل الحصانة القضائية ضد المجازر والقتل والتدمير في تلك الدول.

ان ما تقوم به المقاومتان اللبنانية والفلسطينية أعمال طبيعية وشرعية ومقدسة للتخلص من نير الاحتلال الإسرائيلي. وما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من أفعال ضد الشعوب تلك هو الإرهاب، تلك الأفعال في مجملها وحشية وتفتقر إلى المسوغات القانونية والسياسية والأخلاقية.

المسؤول عن اضطرام المقاومة وتصاعدها هو الإرهاب الناتج عن وجود الاحتلال وبما يقوم به من أفعال تصل إلى حد المساس بالكرامة الإنسانية والشخصية للأطفال والنساء والشيوخ، وأخيراً وليس آخراً الرجال والشباب المقاوِمين. من أجل ذلك فإن من يُقتل في المقاومة يعتبر شهيد الوطن والواجب والشعب والعقيدة والحرية والكرامة والشرف الإنساني.

يقود حزب الله المقاومة الوطنية في لبنان وتقود حركة حماس المقاومة الوطنية في فلسطين ضد الاحتلال الأجنبي. «حزب الله» و«حركة المقاومة الإسلامية» و«الجيش الإسلامي» و«المجاهدون» عناوين عقائدية مصنفة في القاموس السياسي الغربي الحديث بأنها تنظيمات إرهابية. تمكنت بعض وسائل الدعاية الإعلامية الغربية والصهيونية من إيجاد فهم تلقائي في عقول العامة من الناس بين حركات المقاومة الإسلامية السياسية والعسكرية وبين الإرهاب المعتمد على استعمال «السيف العقائدي»!

عبر وسائل الإعلام المختلفة انتشرت صورة ذلك الشخص الذي بيد يحمل نسخة من القرآن الكريم وبالأخرى يحمل سيفاً أو بندقيةً؛ قوّى ذلك النظرة الكلاسيكية النمطية في العالم الغربي عن التلازم بين منطق قوة السيف وقوة الفكر العقائدي. هنا تبرز الحاجة الماسة إلى تعريف شعوب العالم الغربي بحقيقة النضال أو المقاومة المشروعة التي تخوضها الشعوب العربية والإسلامية ضد أشكال الاستعمار والاحتلال التي تتعرض لها.

كغيره من المعتقدات والفلسفات الفكرية والإنسانية يرفض الإسلام كل أشكال الإرهاب والاستعمار والاحتلال والعبودية للبشر والاستيلاء والتحكم بمصائر الآخرين. يدعو الإسلام بشكل واضح وصريح لمقاومة كل أشكال الظلم والبغي والعدوان ويعتبر المقاومة فرض عين على كل فرد من أفراد الأمة إذا ما تعرضت الأمة للعدوان أو الاحتلال.

لا يوجد تناقض بين دعوة الإسلام للمقاومة وبين دعوة الإسلام لمحاربة كافة أشكال الإرهاب المادي والمعنوي والفكري، ويدعو إلى إيقاع أقصى العقوبات بحق من يرتكب الإرهاب ضد النفس البشرية.

على الغرب أن يتعلم ولو قليلاً عن الإسلام، وألا يغرق في مادة إعلامية من نتاج فكر صهاينة إسرائيل وبعض وسائل الإعلام المحمومة والحاقدة والتي لها باع طويل في تزييف صورة وحقائق الأمور، خاصة مع التقدم الهائل في القدرة على قولبة وتشكيل المعلومات المقدمة لعامة الناس!

جامعة الإمارات