إن التردد الفرنسي في إرسال قوة ذات شأن إلى لبنان واستبدالها بقوة رمزية قوامها 250 جندياً لهو أبلغ دليل على أن نذر الحرب في المنطقة تتجمع بين إسرائيل وحزب الله، وأن الحرب الأخيرة ما هي إلا جولة واحدة من جولاتها، يؤكد ذلك موقف سوريا الذي تجلى في عنف خطاب رئيسها فضلاً عن زخم تحالف بلاده مع إيران الذي بات يتعزز أكثر بعد صمود المقاومة اللبنانية وفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها في عدوانها الأخير. وربما تكون روح الانتقام التي تسري في الجمهور الإسرائيلي مبعثاً لتجدد القتال، فوفقاً لاستطلاعات الرأي فإن ثلثي الشعب الإسرائيلي يعتقدون بأنهم لم يحرزوا نصراً وبأن القضاء على حزب الله أمر لا بد منه.

ويتردد هذا التوجه الانتقامي أيضاً في وسائل الإعلام الإسرائيلية وعلى وجه الخصوص على صدر صفحات الجرائد، إذ على سبيل المثال، تعنون معاريف مقالتها الرئيسية على هذا النحو: «في الطريق إلى الجولة القتالية التالية» (ترجمات القبس الكويتية 21/ 8).

وفيها تستعجل الجيش الإسرائيلي بالتحرك لوقف حزب الله من إعادة بناء ترسانته من الصواريخ طويلة المدى بمساعدة إيران وتسهيل من سوريا قبل فوات الأوان. ولعل المحاولة الأخيرة التي قامت بها إسرائيل في البقاع والتي خرقت بموجبها وقف إطلاق النار الهش، مقدمة في هذا الاتجاه.

بيد أن ثمن تلك العملية كان باهظا، وهي تعني أن إسرائيل لن تكسب ضد حرب العصابات التي قد تندلع في أية لحظة بالذات إذا استمرت في خروقاتها لوقف إطلاق النار.

ولعل الحرب الأخيرة وما وصلت إليه من نتائج كارثية قد عمقت الجدل الدائر في الكيان الصهيوني حول المأزق الذي تعيشه والذي يلخصه أحد كتاب هآرتس واسمه جدعون ألون، بعدم جدية إسرائيل (اليمين حسب قوله) في التوجه نحو السلام ووضع حد للاحتلال.

إن إعادة الأراضي المحتلة عبر الاتفاق غير مقبولة عند اليمين، وضم المناطق ليس احتمالاً وارداً أيضاً عنده، فاليمين يدرك أن ذلك يعني قيام دولة ثنائية القومية (عرب مقابل اليهود) وهذه مسألة لا يرغب فيها!! ويتساءل ألون: «ما الذي تبقى؟ الانتظار، لكن انتظار ماذا بالضبط ؟ أن يصبح الفلسطينيون أكثرية بين النهر والبحر؟ أن تتزود الدول العربية بالوسائل القتالية الحديثة بما في ذلك السلاح النووي، وماذا سنفعل حينئذ؟ ثم يكتب ألون بصيغة التأكيد قائلاً: «إن الاعتقاد بأن الفلسطينيين سيخضعون وأن العرب سيتنازلون هو اعتقاد خاطئ..

فإصرار الفلسطينيين على الانعتاق من نير الاحتلال هو أكثر بكثير مما كان عليه قبل عشرين سنة، وسوريا لم تتنازل عن الجولان، وبعض الدول العربية لا ينوي الوقوف إلى جانبنا إلى الأبد. والإسلام المتطرف أخذ في تعزيز مواقعه». أما ردنا - يقصد رد الإسرائيليين - كما يختم ألون فكرته فهو «بمواصلة التسلح التي لا تعدو كونها خدعة سحرية كما تبين في هذه الحرب.»!!

وقد تكون إحدى المآزق التي تعمقت بفعل الحرب الأخيرة، هي ازدياد حالة العداء المتأصلة في نفوس الجماهير العربية وتعزيز مكانة حزب الله عندهم، بالذات في نفوس أهل الجنوب اللبناني، مما يعني فشلاً ذريعاً لمخططات إسرائيل، وهي القضاء على حزب الله بتجفيف منابع التأييد الشعبي له في محيطه الجغرافي.

وقد اختارت الديلي تلغراف اللندنية (20/ 8) عبارة لأحد اللبنانيين المسنين العائدين إلى قراهم في الجنوب عنواناً لمقالتها، يعكس ما قلناه بشكل لافت، فكتبت: «لولا نصر الله لدخل الجيش الإسرائيلي وقتلنا جميعاً». وقالت في عنوان جانبي :«رغم حصيلة القتلى فإن عدداً كبيراً من اللبنانيين مبتهجون بنصر حزب الله على إسرائيل».

أما حالة العداء المتجذرة والمستحكمة، التي يلحظها سكوت بترسون، مراسل الكرستيان سينس مونيتور الأميركية (18/ 8) والتي يعتقد أنها تمثل إحدى الإشكاليات في إقامة سلام دائم بين العرب وإسرائيل، فيرويها من القاسمية في جنوب لبنان لشاب اسمه بسام صبرا، فهذا الشاب قد كتب على ذراعه اليمنى وشماً باللغة الإنجليزية كلمتي «الحب» و«الحرية» مع رسم ليد تحمل مشعلاً. أما في ذراعه اليسرى فقد رسم شجرة الأرز وهي رمز لبنان مع كتابة عدد 10452 وهذا العدد يمثل مساحة لبنان.

بيد أن الشاب بسام صبرا، الذي قضى سنة ونصف السنة في المعتقلات الإسرائيلية لم يكتف برسم الوشم في ذراعيه، بل رسم وشماً آخر في أحد أخمص قدميه عبارة عن نجمة داوود!!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com