لم يسقط العرب من أياديهم أغصان الزيتون. إسرائيل تعربد وتعتدي على حقوقهم وتقتل وتدمر، وترتكب جرائم حرب في وضح النهار ـ بشهادة منظمة العفو الدولية ـ ومع ذلك لم يتخل العرب عن خيارهم الاستراتيجي الذي اتفقوا عليه خلال قمة بيروت عام 2002، ألا وهو الأرض مقابل السلام.
بل ان بيان القمة وقتها قال صراحة إن قبول إسرائيل بالمطالب العربية (الانسحاب إلى حدود يونيو 1967، وقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرارات الأمم المتحدة) يعني قيام علاقات طبيعية بينها وبين الدول العربية.
بل والأكثر من ذلك، عندما ألقت جامعة الدول العربية بالكرة في ملعب مجلس الأمن الدولي حيث قررت عرض النزاع العربي ـ الإسرائيلي برمته أمام المجلس للبت فيه، فإن ذلك يعني أن العرب تمسكوا بالسلام كخيار استراتيجي ولم يتنازلوا عنه في ذروة العدوان الإسرائيلي على لبنان الشقيق.
وحتى لا نرجع إلى الوراء كثيرا لنكشف عن موقف العرب السلمي من الصراع مع إسرائيل، فان سوريا الشقيقة بصفة خاصة ورغم ما تتعرض له من حملة افتراءات إسرائيلية بلا هوادة، تمد هي الأخرى يدها للسلام العادل الشامل القائم على الشرعية الدولية. وهاهو رئيسها بشار الأسد يقولها صراحة إن «هناك فرصة سانحة للسلام، لكن الوقت يضيق والجيل الحالي هو آخر أجيال السلام».
الموقف السوري الرسمي بلا غموض قائم على أن السلام العادل والشامل كان ولا يزال خيار سوريا وهو ما أكده وزير الإعلام السوري محسن بلال، الذي أشار إلى أن بلاده دعت أكثر من مرة إلى استئناف المفاوضات مع إسرائيل من حيث انتهت.
إذن، لا يوجد صوت عربي نشاز يطلق صيحاته ضد السلام. فهل استجاب الطرف الآخر(الإسرائيلي) لأهم ورقة لدى العرب تطرح عليه؟
للأسف، لا توجد استجابة إسرائيلية واضحة لنداءات السلام المتكررة من جانب العرب. مازالت تعيش على وهم القوة رغم الدرس القاسي الذي لقنته لها المقاومة اللبنانية والذي دفع وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني إلى الاعتراف بأن الحرب على لبنان لم تؤد إلى نتيجة.
مفهوم إسرائيل للسلام، مازال قائما على الهيمنة وفرض سياسة الأمر الواقع. العرب يقولون «الأرض مقابل السلام»، وهي ترد عليهم بالقول «الأمن مقابل السلام»، أي التزام الصمت والخنوع والاستسلام للمخططات الإسرائيلية.
ان الوهم الذي تعيش عليه إسرائيل، وهو أن لغة القوة هي السبيل الوحيد في التعامل مع العرب، باتت لغة بالية لا طائل منها. وهذا ما تمخض عنه العدوان الدموي التدميري على الشعب اللبناني الشقيق.
ليس أمام إسرائيل سوى أن تتحرر من الوهم. ولعل هذا ما أيقنه وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر الذي دعا يوم الاثنين الماضي إلى التخلي عن هضبة الجولان السورية المحتلة مقابل تحقيق السلام مع سوريا.
وسبقه السفير الإسرائيلي السابق في ألمانيا أفي بريمور الذي يعمل حاليا مديرا لمركز الدراسات الأوروبية في إسرائيل، إذ طالب في حديث لصحيفة «فرانكفورتر روندشاو» الألمانية بالتفاوض المباشر مع سوريا.
لقد حذر أمس مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية إبراهيم غمبري من فقدان الثقة بعملية السلام في الشرق الأوسط. وهذا التحذير يجب أن يوجه الى المجتمع الدولي الذي عليه أن يفرض الشرعية الدولية، ويدرك أنه سمح لإسرائيل بأن تستهزئ بالمواثيق الإنسانية والقوانين الدولية، وترفض نداء السلام الذي مازال يطلقه العرب.