وسط لا مبالاة دولية تامة ، وصمت عربي مثير للقلق والانزعاج ، تستمر إسرائيل في ممارسة حصارها وتدميرها المنظم لمقومات الحياة في غزة وعدة مناطق أخرى في فلسطين.

القتل والاغتيال لنشطاء التنظيمات الفلسطينية يبدو مستمرا بشكل يومي ، واستهداف المدنيين الأبرياء لا يتوقف ضمن مخطط إسرائيل الواضح لبث الخوف والفرقة في الشعب الفلسطيني ، واختطاف الشخصيات النيابية والحكومية من حركة حماس يخالف كل الأعراف والمواثيق الدولية.

في مقابل هذا الإجرام والعدوان الإسرائيلي لا يجد النظام العربي وسيلة مناسبة للرد ، وبالرغم من التصريحات والنداءات المستمرة من جلالة الملك ، والتي تؤكد أن أصل المشاكل وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط هو استمرار معاناة الشعب الفلسطيني وعدم حصوله على حقوقه الوطنية ، فإن النظام العربي يبدو غير قادر على إحداث أي تأثير في القرار الدولي ، ناهيك عن مجرد كبح جماح العدوان الإسرائيلي.

يحس الكثير من الفلسطينيين بالأسى والغضب ، ولكن بشكل مكتوم نظرا للرغبة في عدم إثارة مشاكل عربية داخلية بسبب التباطؤ ، وفي الغالب التجاهل التام لمعاناة الشعب الفلسطيني تحت العدوان الإسرائيلي مقابل الاهتمام الذي نشأ في العالم العربي وخارجه بسبب العدوان على لبنان.

بالطبع فإن العدوان على اي قطر وشعب عربي هو عدوان على كل الأمة ويجب محاربته ومقاومته بكل الوسائل ، ولكن الشعب الفلسطيني يستحق أيضا أن يحس بأن هناك تضامنا عربيا حقيقيا معه ، يتمثل في أن تبقى القضية الفلسطينية على رأس أولويات العالم العربي وعدم السماح للأجندة الأميركية الإسرائيلية بتحويل القضية الفلسطينية إلى "حرب على الإرهاب" توجهها إسرائيل ضد حركة حماس وتسحب معها كل الشعب الفلسطيني والمنطقة إلى هاوية الانفجار السياسي والعسكري.

حكومة أولمرت اصبحت اضعف من ذي قبل ، وهي منغمسة تماما بالشأن اللبناني وإنهاء تداعيات مغامرتها الفاشلة في لبنان ، ولكنها بالرغم من ذلك لا تتوقف عن هوايتها في تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم ، وكلما وجدت نفسها غير قادرة على تحقيق مجمل طموحاتها في لبنان ، ستكون أكثر وحشية ضد الفلسطينيين. وفي المقابل فإن الخلاف الداخلي ما زال قائما في فلسطين على صعيد ما يسمى المفاوضات مع إسرائيل.

الرئيس محمود عباس لديه ما يطرحه ولكن الحكومة الفلسطينية ما زالت غير قادرة على طرح برنامج بديل عن برنامج الكفاح المسلح لحركة حماس ، حتى بعد أن اصبح وضع حماس السياسي كحكومة يمنعها من الكفاح المسلح ، وهذا ما يستدعي خروج الفلسطينيين من هذه الازدواجية في وجهات النظر والتقدم بموقف موحد قابل للتفاوض والتركيز على القضية الأكثر أهمية الآن ، وهي فك الحصار المالي والاقتصادي الذي أنهك الشعب الفلسطيني بشكل غير مسبوق حتى في أشد ايام الاحتلال حلكة.

العالم العربي بحاجة إلى استعادة تجربة التضامن مع لبنان لتقديم دعم حقيقي للشعب الفلسطيني في مواجهة آلة التدمير الإسرائيلية ، وفتح وإبقاء كل قنوات الدعم والتنسيق مع السلطة الوطنية وممارسة ضغط سياسي دولي وعربي على إسرائيل ، لاستعادة المبادرة في عملية التفاوض السلمي على أسس جديدة وعادلة تركز على حصول الشعب الفسلطيني على حقوقه ، أكثر من مكافأة إسرائيل بأمن مجاني وعدم السماح بنجاح الخطة الأميركية لتحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد جزء من الحرب على الإرهاب وإطلاق يد إسرائيل لتدمير البنية التحتية الفلسطينية.