لم تكد نيران العدوان الإسرائيلي على لبنان تخبو، وقبل أن يستطعم اللبنانيون، ومعهم الأمة كلها، مذاق ما تحقق من نصر عسكري وانجاز سياسي في مواجهة هذا العدوان، حتى انطلقت نيران المعارك الجانبية والحروب الكلامية من هنا وهناك، ليس على المستوى اللبناني الداخلي فحسب وإنما على مستويات عربية أوسع وأشمل، وكأن ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه ميدانيا يحاول البعض، عن قصد أو دون وعي، أن يحققه لها إعلاميا وسياسيا، عبر تشتيت الانتباه ونسف ما تحقق من وحدة عربية شعبية، في المواقف والمشاعر، تأييدا للمقاومة اللبنانية وتقديرا لما عبر عنه اللبنانيون، شعبيا ورسميا، من صمود ووعي ومسؤولية.

والمؤسف أكثر أن القصف المتبادل بالاتهامات المختلفة لم يقتصر، هذه المرة، على الحملات الإعلامية والتلميحات المعتادة والمبتذلة، وإنما وصل إلى التصريح من قبل مسؤولين رسميين وعلى مستويات عليا أيضا!

فلأي مصلحة تفتعل مثل هذه المعارك في هذا التوقيت؟ ومن المستفيد من صرف الأنظار عن هزيمة العدو أو حتى عن حصر وكشف الآثار التدميرية لعدوانه الهمجي؟ وهل السبب خطأ في الحسابات أم سوء في التقدير أم هو عجز عن التحليل وقصور في الرؤية؟!

لقد حققت المقاومة اللبنانية نصرا واضحا لا لبس فيه، حسب اعترافات العدو نفسه، ولكن هذا النصر ما كان له أن يتحقق في ميدان المعركة العسكرية لولا الاحتضان الشعبي للمقاومة والموقف الرسمي المواكب لها، فضلا عن الإدارة السياسية والإعلامية الواعية للمعركة والتي تحلى بها ومارسها بحنكة وحكمة سيد المقاومة وأمينها العام حسن نصر الله، من خلال إدراكه لكل حساسيات الموقف وأبعاده وانعكاساته داخليا وخارجيا، ليس أثناء المعركة فحسب، وإنما في التعاطي.

أيضا، مع نتائجها بتواضع المنتصر وبالتسامح النبيل، بل والتنازل في كثير من المواقف لخصومه السياسيين الذين مهما بلغ الخلاف السياسي معهم، فإنهم يظلون شركاء في الوطن وقرناء في الانتماء إلى الأمة الواحدة ولا ينبغي أن يعاملوا كأعداء، حتى وان تصرفوا في بعض المواقف والممارسات بما يشبه العداء أو يصب في مصلحة العدو. لأن العدو واحد وواضح، ويجب أن يبقى كذلك مهما كانت الأخطاء والخطايا أو الانحرافات.

ومثل هذا الوعي والإدراك لطبيعة المعركة وحجم التحديات هو أكثر ما يحتاجه العرب، والآن تحديدا، لإدارة علاقاتهم الداخلية (محليا وثنائيا أو جماعيا) كما في علاقاتهم مع العالم الخارجي الذي لا يمكن أن نضع عليه كل اللوم في عدم تأييدنا ومساندتنا، إذا كنا نحن عاجزين عن مساندة أنفسنا وتحديد أهدافنا ومطالبنا، ولو بالحد الأدنى من التوافق والائتلاف.

وإذا كان البعض قد اختار التخاذل نهجا والتولي يوم الزحف طريقا، فان ذلك لا يعني ولا يبرر أن يكون البديل هو المسارعة إلى الفتنة وإثارة المزيد من الخلافات العربية، فالتخاذل والفتنة وجهان لنتيجة واحدة هي شرذمة الأمة وزيادة تفككها، فضلا عن إعطاء العدو وأعوانه أو المتخاذلين في وجهه، ذخيرة مجانية ليوجهوها إلى صدور أبناء الأمة لشغلهم وإلهائهم في أوحال المناكفات والمماحكات والبطولات الوهمية، بدلا من العمل على معالجة الأخطاء أو تخفيفها، واستيعاب النتائج والدروس المستفادة من العدوان ومقاومته واستثمارها لتعزيز روح الانتصار وثقافة المقاومة.

فالعدو الجريح ما زال يبحث عن وسيلة للانتقام، واحتمالات عودته للعدوان قائمة في كل لحظة، كما تؤكد تصريحاته الرسمية العلنية بل وممارساته الفعلية على ارض الواقع، من انتهاكات مستمرة للأجواء والمياه اللبنانية ومحاولات الإنزال الفاشلة كما حدث فجر السبت الماضي. وبالتالي فلا مجال ولا وقت للمناكفات والسجالات التي لا معنى لها سوى اجترار الفشل وتكرار الإخفاقات التي أوصلت الأمة إلى حالة التدهور والانكسار التي كانت عليها قبل الثاني عشر من يوليو 2006، والتي يجب أن يكون الهدف الأول، راهنا، هو العمل بكل الوسائل الممكنة لمنع العودة إليها مجددا.

ولا شك أن ذلك يتطلب درجة عالية من الصبر والتسامح ووضوح الرؤية وبعد النظر، بعيدا عن الحسابات الآنية والأنانية الضيقة، لأن أي خطأ في الحساب سيرتد على صاحبه أولا وسيكلف الأمة غاليا، في وقت تحتاج فيه هذه الأمة إلى كل جهد والى تعظيم الإمكانيات وتعزيزها، وليس إلى تشتيت إمكانياتها أو التفريط فيها.

وهنا لا بد أن نستذكر الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، بحنكته السياسية وما اشتهر به من صمت طويل وكلام قليل، لكنه كان صمتا يمثل موقفا وكلاما ينشغل الكثيرون طويلا بتحليله والبحث في مضامينه الغنية رغم كلماته القليلة.

فميادين العمل واضحة وكثيرة ومجالات الكلام الايجابي المؤثر أكثر، أما إذا غاب الفعل عجزا أو تخاذلا ولم يعد للكلام معنى غير الانحراف وإثارة الشقاقات والفتن، فان الصمت يصبح أولوية وغاية في حد ذاته!