من الصفات المميزة لإصلاح الاقتصاد الروسي التغيير الجذري لأشكال الملكية الأساسية والمباشرة باستخدام مبادئ الفيدرالية في العلاقات الاقتصادية وتحديد صلاحيات الأجهزة الحكومية لروسيا الفيدرالية ووحداتها الإدارية في المجالين المالي والاقتصادي.
يفترض إجراء الاصلاحات الإدارية في روسيا وتحديد صلاحيات السلطة بشكل دقيق القيام بتأسيس منظومة ملائمة للرقابة المالية كشرط ضروري لنجاح الإصلاح الاقتصادي في البلد.
وفي الوقت الراهن يتم في روسيا استخدام وسائل السوق ذات الفعالية من أجل تلبية المتطلبات الاجتماعية، مما يعمل على ترشيد عملية الإدارة المباشرة للاقتصاد من قبل الحكومة تمهيدا للانتقال إلى الإدارة غير المباشرة. وبهذا الصدد، تتمثل المهام الرئيسية بالنسبة لروسيا في تحديد استراتيجية وتكتيك النشاط الاقتصادي لخدمة مصالح المجتمع وفي السيطرة على تنفيذ هذه الاستراتيجية.
تشكل الرقابة المالية من قبل الحكومة جزءاً لا يتجزأ من عملية إدارة الشؤون المالية، حيث تعمل على ضمان مصالح وحقوق الدولة وجميع وحداتها الاقتصادية على اختلاف ملكياتها. كما تمثل أحد العناصر الرئيسية المكونة ليس لعملية إدارة كامل اقتصاد البلد فحسب بل ولإدارة المناطق والوحدات الاقتصادية المنفردة أيضا.
أما الوضع السائد على صعيد الرقابة المالية وكذلك مدى انفتاح و علنية واستقلال عملية الرقابة عن الأجهزة الحكومية التنفيذية والتشريعية فيعكسا واقع الاقتصاد الروسي ويكشفا عن مستوى جاهزية السلطة للشفافية والانفتاح ويحددان مدى هذا الانفتاح وموقف السلطة تجاه مراقبة السيولة المالية.
تتميز روسيا بانتشار الاختلاس من الميزانية من نطاق واسع وعلى مختلف مستويات الدولة. ويتفنن موظفو الدولة في اختراع أساليب نهب وسرقة الموارد الحكومية بشكل يلفت النظر ويدعو إلى الدهشة والاعتراف بأن الطرق المستخدمة لتحويل الأموال الحكومية إلى ملكيات واقعية لمحافظي بعض المناطق تتصف بتعقيد وعبقرية يستدعيان الحسد من قبل أي نصاب اقتصادي على صعيد العالم. وتتعلق حجم السرقات بمستوى النمو الاقتصادي للمنطقة. فكلما ازدادت المنطقة فقرا.
كلما كثرت فيها السرقات من قبل أعضاء الإدارات المحلية. وتقع الطبقات الاجتماعية غير المحمية بما فيها المتقاعدون والمرضى والمعاقون والأطفال اليتامى وغيرهم ضحية لأعمال محافظي وموظفي الدولة. هكذا بلغ حجم السرقة من ميزانية دائرة ريازان خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2005 م 1 مليار روبل (حوالي 35 مليون دولار أميركي)، أي ما يعادل 10 في المئة من إجمالي ميزانية الدائرة.
ذلك في حين يعيش 30 في المئة من سكان هذه الدائرة تحت خط الفقر حيث يقل مرتبهم عن 2000 روبل في الشهر، مما يعادل 70 دولاراً تقريبا. وهنا يجدر القول إن روسيا تنقسم إلى 89 وحدة فيدرالية، ومن ضمنها 49 دائرة مماثلة لريازان.
إذا افترضنا أنه سيقارب حجم الموارد المسروقة في منطقة فيدرالية واحدة إلى حوالي 70 مليون دولار في سنة، فنجد أن إجمالي سرقات الأموال الحكومية في عموم روسيا سيبلغ 2,6مليارات دولار على أقل تقدير.
وفي هذا الوضع من الضروري تنظيم الرقابة المالية من قبل الحكومة في كافة مجالات النشاط الاقتصادي وخاصة على صعيد حركة الأموال الحكومية، ابتداء بعملية التخطيط والتوزيع وانتهاء بتقديم التقارير حول مجالات استخدام هذه الأموال.
تشمل منظومة الرقابة المالية في روسيا كافة المستويات بما فيها المستوى الفيدرالي والإقليمي والبلدي. ومن الجدير بالذكر أن للرقابة المالية على المستوى البلدي دوراً رئيسياً ، إذ تشكل التحويلات المالية الضخمة مثل الإعانات والدعم الحكومي وغيرها حصة كبيرة من الميزانيات المحلية.
كانت السنوات العشر الأخيرة مرحلة مهمة على طريق التطوير التوسعي للرقابة على الأموال الحكومية في روسيا حيث ظهرت ضرورة ملحة لإجراء الاصلاح ورفع فعالية الرقابة بوضعها في إطار منظومة متكاملة، يمكن وصف أجهزة الرقابة على الأموال الحكومية في روسيا بالانفرادية وعدم الفعالية والنقاش قائم في الوقت الراهن حول تحديد تصور معين لتأسيس منظومة رقابة مالية موحدة لعموم روسيا الفيدرالية تخضع كافة عناصرها وأجهزتها لقوانين وقواعد موحدة تسري على جميع المناطق والأقاليم.
ومن المقترح اتخاذ «المراقبة المالية المستمرة من قبل الحكومة» أسسا لنظرية إعداد هذا النظام. والمقصود بهذا النوع من المراقبة القيام بشكل مستمر بمجموعة من الإجراءات الرقابية بما فيها مراجعة الحسابات ومراقبة حركة الأموال وممتلكات الخزانة في كافة مراحل الدورة الإنتاجية.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن تنفيذ الرقابة المالية المستمرة خلال المرحلة الحالية سيمهد لعملية انتقال روسيا إلى النمو الاقتصادي الراسخ. ومن الضروري وضع العملة (الدولار أو الروبل أو اليورو) أثناء مرورها بجميع مراحل الدورة الحيوية تحت رقابة مالية مثلى. تفترض نظرية الرقابة المالية المستمرة تنفيذ إجراءات متابعة حركة أموال الحكومة بشكل محدود وفعال وأمثل خلال كافة المراحل ابتدأ بمشروع الميزانية الفيدرالية ومرورا بالرقابة على الميزانيات الإقليمية والبلدية وانتهاء باستلام التقارير المفصلة حول مجالات استخدام الأموال الحكومية.
على هذا الصعيد يلعب ديوان المحاسبة لروسيا الفيدرالية دوراً مهماً حيث انه مكلف بمهمة ضمان أمن الميزانية الفيدرالية عن طريق تنظيم وتحقيق الرقابة على تنفيذ كافة بنود الإيرادات والمدفوعات في الميزانية الفيدرالية وفي ميزانيات أموال القطاع الخاص.
وفي إطار تنفيذ الرقابة المالية المستمرة من قبل الحكومة يقوم ديوان المحاسبة بشكل دائم وبمتابعة ما تم تنفيذه في كل عام مالي على حده ضمن دورة تبلغ ثلاث سنوات وذلك يشمل الرقابة المسبقة على مشاريع الميزانية والرقابة العملياتية خلال تنفيذ الميزانية والرقابة اللاحقة على الميزانيات التي تم تنفيذها. هذا هو الطريق القانوني لتكامل ديوان المحاسبة مع العمليات المتعلقة بالميزانية.
على الصعيد نفسه لا يقل أهمية دور وزارة المالية الروسية التي اكتسبت في الظروف المعاصرة صفة الـ «حكومة داخل الحكومة». والسبب في ذلك لا يقتصر على جدية المهام الموكلة لهذه الوزارة التي يرأسها السيد كودرين ، بما في ذلك إيقاف التضخم في روسيا وزيادة إجمالي الإنتاج بمعدل الضعف قبل حلول عام 2012 م وحل المشاكل الموروثة عن «زملائه» الذين سبق أن شغلوا هذا المنصب والمتعلقة بالمديونية الداخلية والخارجية وغير ذلك.
تمثل وزارة المالية الروسية اليوم الجهاز الثاني (إن لم يكن الأول) من حيث الأهمية في مجال تحقيق الرقابة المالية العليا حيث تتحمل هذه الوزارة كامل المسؤولية المتعلقة بإيجاد المناهج العلمية لعملية تنفيذ الإجراءات الرقابية وذلك وفقا ل250 تشريعاً يشمل القوانين والقرارات التي تمس مسائل الرقابة الحكومية.
لكن وزارة المالية الروسية - إن راعت مصالحها الخاصة - لن تقوم بتحليل حالة الرقابة على تنفيذ الميزانية الفيدرالية الإجمالية بصورة انتقادية الأمر الذي يعطي لبعض القوى السياسية المجال للمطالبة بإنشاء جهاز إضافي في منظومة الرقابة المالية العليا. تحقيق مثل هذه المبادرة سيخالف أهداف الإصلاح الإداري أو أنه سيتطلب إدخال تغييرات على دستور روسيا الفيدرالية.
يجب أن ننظر إلى الرقابة المالية من قبل الحكومة على أنها مهمة تنفذها السلطة بهدف إمداد عملية تنفيذ السياسية المالية والنقدية والاستثمارية والضريبية والصناعية الموحدة في البلد وكذلك بهدف حفظ أمن الدولة ووحداتها ومواطنيها.
أكاديمية الخدمة الحكومية ـ موسكو