عاد الوضع الفلسطيني إلى سابق عهده قبل حرب لبنان، كانت الأصوات تتحدث بتفاؤل عن احتمال الانفراج الداخلي في الأزمة السياسية الفلسطينية بعد حرب لبنان وكان ثمة تصريحات بلسان رئيس الوزراء إسماعيل هنية عن ان حكومة وحدة وطنية ستتشكل بعد انتهاء الحرب في لبنان وان تنفيذ بنود وثيقة الأسرى التي تم التوافق عليها سيكون امرا تلقائيا.

وكان الرئيس الفلسطيني أمضى فترة الأزمة في الخارج وكأنه يهرب من الواقع نحو اليمن والسودان وتونس والأردن، فهو عمليا لم يعد قادرا على المضي قدما بحكومة مشلولة وحصار مالي وسياسي دولي، ولما عاد تحدث عن حكومة وحدة وطنية وتوجه إلى غزة وأجرى لقاءات مع قادة حركة حماس بهذا الهدف.

والتقى قادة الفصائل وبحث معهم مسألة تمديد التهدئة ومحاولة إقناع إسرائيل بوقف عدوانها على غزة والعمل على إبرام صفقة لإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير مقابل أسرى فلسطينيين الخ. وقد اتسم جو الحوار بين الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء بوضوح واتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم تكنوقراط حتى لو كانوا ذوي خلفيات سياسية بهدف قيام الحكومة بفك الحصار وإعادة إطلاق الحراك السياسي الفلسطيني على الساحة الدولية.

وفجأة أعلن ناطق باسم حماس ان موضوع التهدئة لم يتم بحثه مع ان مسؤولين من حماس أكدوا انه تم بالفعل الاتفاق على تمديد التهدئة، ثم أعلن رئيس الوزراء في خطبة الجمعة شروطا للموافقة على حكومة وحدة وطنية لا يملك أبو مازن تلبيتها مثل رفع الحصار والإفراج عن وزراء ونواب حماس وان تتولى حماس رئاسة الحكومة وان تمثل فيها وفقا لتمثيلها في المجلس التشريعي.

وهذه الشروط لم تذكر في الاجتماعات التي عقدت مع الرئيس محمود عباس، ولعل نقل مضمون الاجتماعات والردود عليها إلى وسائل الإعلام أعاد الموضوع إلى المربع الأول بحيث ان الأزمة اكتسبت زخما جديدا ولم يتم تنفيسها، ولهذا عاد الرئيس من غزة إلى رام الله خالي الوفاض ويستعد لجولة سفر أخرى بهدف الهروب من الواقع الداخلي المتأزم.

كانت فكرة تشكيل حكومة تكنوقراط مخرجا مثاليا لانها ستتيح فك الحصار وتعيد الحكومة الفلسطينية إلى المشهد الدولي كطرف مقبول، حيث ان الولايات المتحدة أكدت انها لن تعترف بأية حكومة فلسطينية لو ضمت وزيرا واحدا من حماس، ولعل الإخفاق الأميركي - الإسرائيلي في غزوه لبنان وتحالف حركة حماس مع حزب الله وإيران يضفي على الموقف الأميركي تشددا أكثر تجاه حركة حماس. بينما ترى حماس ان انتصار حزب الله يضيف إلى رصيدها قوة وليس ضعفا يجبرها على تقديم تنازلات داخلية.

ثم جاءت رياح الحرب الباردة بين الدول العربية لتلعب دورا، فالمؤكد ان قيادة حماس في الخارج هي التي ما زالت صاحبة القول الفصل في اتخاذ القرارات السياسية، لان أحاديث إسماعيل هنية الداخلية وداخل الاجتماعات تختلف عن أحاديثه وتصريحاته خارجها فهي عرضة للتغيير الفوري وفقا لموقف القيادة في الخارج.

وثمة من يعتقد ان الهزات الارتدادية من زلزال لبنان ما زالت تتفاعل يوميا وان الحرب عمليا لم تضع أوزارها، وثمة ارتباك في الوضع العربي ومن ثم الدولي ولا يمكن الجزم ان الأمور ستقف عند حدود القرار 1701 وبالتالي فهي مرشحة للتصعيد. وهذا ليس من حسابات حماس الداخل بل الخارج التي ترى الأمور من وجهة نظر أكثر شمولية.

حيث انها ربما ترى ان تجريد حماس من حكومتها يوازي تجريد حزب الله من سلاحه. فيما الوقائع على الأرض الفلسطينية تختلف عما هي عليه في لبنان ولا يجوز ان يكون الوضع الداخلي الفلسطيني عرضة للحرب الباردة العربية القائمة الآن بين ما يسمى بالمحور الإيراني ومحور الاعتدال العربي. فالوضع الاقتصادي الفلسطيني لم يعد قادرا على الصمود.

حيث ان العام الدراسي مهدد بعدم البدء لغياب التمويل ورواتب السلك التدريسي، ثم ان استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة من شأنه عدم منح السلطة أية فرصة للامساك بالأمور فقد أضفت مسألة اختطاف الاحتلال لنائب رئيس الوزراء ناصر الدين الشاعر واختطاف صحافيين يعملان لصالح شبكة فوكس نيوز عبئا على كاهل الحكومة والسلطة معا تضاف إلى قضية الجندي الإسرائيلي الأسير التي لا يبدو في الأفق أي احتمال لإبرام صفقة حولها رغم التسريبات الإعلامية حول الموضوع.

كان أبو مازن مصمما قبل بدء الحملة الإسرائيلية على لبنان على اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة لإخراج الوضع الفلسطيني من مأزقه، فإما تشكيل حكومة وحدة وطنية وفقا للاتفاق على وثيقة الأسرى أو تشكيل حكومة طوارئ شاءت حماس أم أبت.

حيث ان حكومة الطوارئ لا تحتاج إلى عرضها على المجلس التشريعي لنيل الثقة لكنه حاول أولا تشكيل حكومة وحدة وطنية فوجد تعاونا مبدئيا ثم صداً واشتراطات لا يستطيع تلبيتها، أو كما يقول احد المقربين من المفاوضات بين حماس والرئيس أبو مازن ان اشتراطات هنية مستحيلة لان أبو مازن لا يملك مفتاح السجون الإسرائيلية لإطلاق سراح الوزراء والنواب المعتقلين ولا يملك حلا سحريا لإنهاء الحصار.

بل ان تشكيل حكومة وحدة وطنية هو مقدمة لكي تعمل هذه الحكومة على فك الحصار وإطلاق سراح الوزراء والنواب المعتقلين والخطر الأكبر هو ان إسرائيل قد تعمد إلى تعويض إخفاقها في لبنان بإطلاق يد قواتها في غزة للاطباق على حماس بالكامل خاصة وإنها لم تعد تحسب حساباً لأي انتقاد دولي بعد الذي ارتكبته في لبنان من خروقات وجرائم ومذابح، فهل يعمد أبو مازن إلى تشكيل حكومة طوارئ مع ما يحمله ذلك من ردود فعل من قبل حماس.

ام انه سيعمد إلى محاولة لقاء قادة حماس في الخارج للتوصل إلى تفاهم طالما ان القرار بأيديهم؟ تساؤلات لا تحتاج إلى وقت طويل لمعرفة الإجابة عليها، فالوضع الداخلي الفلسطيني لم يعد مؤهلا للانتظار أكثر، فالقضية تتراجع إلى خلفيات المشهد الدولي وتحتاج إلى معجزة لإخراجها من العزلة.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين