لفتتني عبارة شاعت بوصفها حكمة، وهي حكمة حقا عن إدارة الوقت، وخطر الزمان في حياة الإنسان، تقول إن الوقت هو المال الوحيد الذي تملكه في الحياة، وحذار من أن تضيع هذا المال في غير جدوى، وحذار من أن تجعل الآخرين يضيعونه عليك. ولا أظن أننا بحاجة إلى من يرشدنا إلى قيمة الوقت، فالوقت والزمن لهما في ديننا وحضارتنا وثقافتنا حضور بارز، والعبارة التي تشير إلى سطوة الوقت في حياتنا واضحة صارمة لا لبس فيها: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك».

وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام تتحدث بوضوح عن أهمية الوقت، وضرورة أن يستغل في الصالح والمفيد، لأن الله سائل الإنسان عن عمره فيما أفناه، فالوقت هو الأداة التي تقاس بها ثمرة جهد الإنسان، تلك التي تحدد النتيجة باعتبارها مقياس الفشل والنجاح.

على أن الإنسان قد يجد نفسه يستثمر الوقت في عمل أو وظيفة، يسيّر فيها إلى غاية معينة، ويجد نفسه يبذل جهداً مضنياً يجعله في بداية الأمر راضياً عما يفعل لأنه يقوم بالواجبات المطلوبة منه خير قيام، ويحاول أن يلتزم بالقيام بالأعمال المنوطة به، والواجبات الملقاة على عاتقه، مؤثراً العام على الخاص.

والمجموع على النزعة الفردية في تحقيق الذات، ويسوغ لنفسه لماذا هو يؤثر على نفسه في سبيل العام والمجتمع والأمة، ويشرح لنفسه بإسهاب كيف يمكن له، وهو يقوم بهذا الدور المهم، أن يحقق نتائج ما كان لها أن تتحقق من دون ما يبذله من جهد بتفان وتجرد وإخلاص. ويحاول أن يقنعها بأن تقمع النزعة الفردية في النفس أو تلغيها في سبيل تحقيق هذه الأعمال التي تأتي بالخير اللافت على المصلحة العامة.

وفي هذا الخضم يجتهد بأن يجعل الأمور تسير في مجالها الصحيح، ويكاد يشعر بالرضا بعد أن قهر النفس الأمارة بالاتجاه نحو الفردية المستكنة في باطن النفس، وأسكت نداء الأعماق التي تجأر بالشكوى من القهر والتجاهل والقمع الشديد، ولكن النتائج تبدو فيما بعد على غير ما كان يتوقع ويؤمل؛ فكل الجهود التي يبذلها تبدو موضع نقاش وتساؤل، واجتهاده المخلص - وإن كان مبنيا على حقائق وأدلة لا يستطيع أن يماري أحد فيها أو يجادل- يبدو في النهاية كالسراب الذي لا طائل وراءه ولا حقيقة فيه.

بل إنه قد يصبح محط انتقاد من الآخرين الذين قد يرون فيه شيئا من السذاجة والبساطة يدفعه إلى الاجتهاد في وظيفته وإخلاصه في أداء ما عليه من واجبات، في حين أنّ الذكاء في مثل هذا الزمن يتطلب أن يتخفف المرء من إلزام نفسه إلزاما مثاليا بالإخلاص للوظيفة والعمل في المؤسسة حسب ما يمليه الضمير والأخلاق والمثل العليا.

وقد يدفع الإخلاص والتفاني بعض الناس إلى الانقياد التام إلى ما يريده الآخرون ممن هم أعلى منهم منزلة ومسؤولية، فيقضي أيامه منفذا لإرادة رئيسه وإن كان يشعر بينه وبين نفسه أن كثيرا مما يطلب منه لا طائل وراءه ولا فائدة فيه.

وهنا يقع الإنسان في دوامة التساؤل عن الجدوى من إهدار وقته فيما لا يرى له منفعة أو مصلحة ترجى، لأنه ليس المهم أن ننفق الوقت في أي عمل، ولكن المهم أن يكون عملاً يؤدي إلى نتيجة يقتنع بها صاحب الوقت. في مثل هذه الحالة يرى المرء نفسه ممزقا بين قناعاته ورؤيته وما يفرض عليه من عمل لا يثمر ولا يُرى له أفق ينتهي عنده، وهنا يبدو المرء على مفترق طرق يجعله يسائل نفسه: ماذا فعلت؟

وماذا أفعل؟ وما قيمة ما أقوم به وأنا غير مقتنع بجدوى هذا الوقت الذي أنفقه هباء في هباء؟ فهل قدمت عملاً يرضى به الله وأرضى به عن نفسي؟ أم أن العمل الذي قصدت به وجه الله وصالح المجتمع والوطن والأمة ضاع في الطرقات دون جدوى؟ وهنا يبدو العمل كله والوقت كله أشبه بديكور لا يستفيد منه إلا الذين يمثلون ذواتاً متورمة همها الحصول على منافع ذاتية زائلة، ولا يهمها بعد ذلك إن أنفق الناس أوقاتهم مسفوحة مهدرة بلا جدوى.

إن صاحب الوقت مثل صاحب المال، عليه أن يكون صاحب القرار الوحيد في تصريف وقته، فيما يراه الحق والصواب، وهو أحق بإنفاق الوقت في صالحه بما يخدم رؤيته للحياة، وهو حق لا يجب التنازل عنه مهما تكن الظروف والدوافع والمؤثرات، لأن إدارة الوقت هي صنو إدارة الحياة نفسها، وما دام الإنسان يملك الوعي والرؤية الواضحة والإرادة فعليه أن يحدد طريقه في الحياة وأن يختار إنفاق وقته تبعاً لهذه الإرادة، ولا يصح له أن يتعلل بأن أية قوة مهما تكن من التأثير أو الإغراء يمكن أن تحول بينه وبين أن ينفق وقته بما ينسجم مع وعيه ورؤيته وإرادته.

إن صاحب الشخصية الواعية يجب ألا تثنيه المواقف المرحلية والمصالح النفعية الطارئة عن الانصراف إلى إنفاق وقته ضمن إستراتيجية واضحة تجعل أفعاله وأقواله تنفيذاً لهذه الإستراتيجية في كل خطوة يخطوها، إذ سيأتي وقت يقف الإنسان أمام نفسه لتحاسبه الحساب العسير: كيف أنفقت وقتك بما لا يعود عليك ولا على أمتك بالنفع والفائدة؟

وكيف رضيت أن تصبح أداة للآخرين يتصرفون بك وبوقتك كيف يشاؤون وأنت مجرد آلة مطيعة لا تجادل ولا تناقش ولا تفكر؟ فالإنسان يجب أن تسيره أخلاقه وقيمه وإرادته، إلى جانب رؤيته ووعيه، وإلاّ فإن الغرض من إنسانية الإنسان يصبح موضع تساؤل كبير.

ونخلص إلى القول إن الحكمة التي صدرنا بها هذا المقال ربما تنكأ في كثير منا جروحاً طرية وجروحاً غائرة تضع أمامنا هذا التساؤل الكبير: لماذا ننقاد في حياتنا بإرادة معطلة كالمخدرين، والآخرون يسوقوننا وهم يتحكمون في وعينا ورؤيتنا وإرادتنا وكأننا قطيع سائر إلى المجهول؟ فأسوأ شيء ليس إضاعة الوقت لمصلحة الآخرين وحسب، ولكن الأسوأ أن ننفقه لصالح الآخرين من دون فائدة ترتجى منه، ومن دون جدوى على الإطلاق.

جامعة الإمارات