في مقالته بصحيفة النيويورك تايمز قال الكاتب الصحفي توماس فريدمان كتبرير أو مناورة مسبقة للانتقاص من النصر الكبير الذي حققه حزب الله على إسرائيل في الحرب المفتوحة التي شنها أولمرت على لبنان لهدفين اثنين: الأول استعادة الجنديين المخطوفين، والثاني نزع سلاح حزب الله، وإبعاده عن الحدود اللبنانية مع إسرائيل.
لكن هذين الهدفين فشلا في هذه الحرب واضطرت اسرائيل للقبول بوقف إطلاق النار بعد الحذف والتحوير والتعديل لهذا القرار الذي جاء للإنقاذ.. لا.. للإطفاء!! ومما قاله فريدمان وما أن يبزغ فجر ذلك اليوم الذي يبدأ فيه سريان وقف إطلاق النار، حتى يدرك الجميع ما سيحدث بالفعل، فحينها سيخرج علينا حسن نصر الله زعيم حزب الله ليعلن على الملأ نصره المؤزر الذي حققه، بصرف النظر عن مدى حجم الدمار الذي لحق بلبنان.
ومن المتوقع أن يتحدث حسن نصر الله ويتباهى بصموده أمام إسرائيل في ساحات المعارك اللبنانية، إضافة إلى قصفه للمواقع الشمالية الإسرائيلية بالصواريخ، وعندها سوف يمطرنا المحللون والخبراء العسكريون بوابل من التصريحات القائلة بفقدان إسرائيل لقدراتها الردعية في مواجهة القوات العربية.. وهكذا دواليك!.
مضيفاً في فقرة أخرى غير أنهم سيفتحون عيونهم على حقيقة واحدة ليس غيرها هي الدمار الماحق الذي لحق ببيوتهم ووظائفهم وسبل حياتهم. ولحظتها سوف يلعنون إسرائيل ويصبون عليها جام غضبهم دون شك. غير أنهم سيثيرون حتماً السؤال المطروح سراً وخفية الآن في وجه حسن نصر الله: هل لك أن تخبرنا عن الغاية التي رميت إليها بشنك هذه الحرب؟.
والواقع أن المرء يذهل من هذه العبارات المنمقة والطرح الهزيل الذي كتبه هذا الصحفي الذي يعتبرونه من الكتاب البارزين في الصحف الأميركية ــ بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية والفكرية.
فالذي يعرفه الجميع ــ كما أشرنا آنفاً ــ أن إسرائيل شنت الحرب من أجل استعادة الجنديين وإبعاد حزب الله عن مناطق الحدود مع اسرائيل.. فهل تحقق الهدف الإسرائيلي..؟ لم يتحقق، واستطاعت المقاومة اللبنانية بقيادة حسن نصر الله أن ترد على إسرائيل ردا قويا ورادعا وأن تكبدها خسائر كبيرة، فلماذا هذه الأقوال، وهذا الذي يقوله هذا الصحفي المرموق؟ في الوقت الذي يقر فيه أغلب الكتاب الإسرائيليين أن إسرائيل خسرت الحرب، وانهزمت شر هزيمة بكل ما في الكلمة من معنى.
وهذا في حد ذاته شجاعة في الرأي لم يقلها فيردمان لأسباب لا تخفى على أحد، وهو أن الولايات المتحدة سايرت إسرائيل التوجه، ولم تحذرها من الأساليب الطائشة والفلتان العسكري من خلال الهجمات على المدنيين، وتدمير القرى على سكانها، والمجازر الكبيرة في الكثير من البقاع اللبنانية، وربما هذا الاستهداف يجعل من الفشل العسكري حقيقة واقعة في الوقت الذي ركز حزب الله على الردع العسكري في مهاجمة الجنود الإسرائيليين الذين توغلوا في الجنوب اللبناني، وكان ضرب المدن الإسرائيلية بمثابة رد على ضرب المدنيين وقراهم وممتلكاتهم كردع على الأهداف المدنية.
يقول زئيف شيف في صحيفة هآرتس إننا تلقينا صفعة . يبدو أن المصطلح الأكثر ملاءمة هو ضربة قاضية نحن لسنا أمام فشل عسكري فقط. هذا فشل استراتيجي لم تتضح بعد تبعاته وإسقاطاته السلبية بعيدة المدى. ومثل الملاكم بعد أن يتلقى الصدمة، نحن ما زلنا جاثمين على الأرض في شبه إغماء محاولين فهم ما حدث لنا.
مثلما أفضت حرب الأيام الستة إلى تغيير استراتيجي في الشرق الأوسط وتكريس مكانة دولة إسرائيل كدولة إقليمية كبرى، قد تؤدي حرب لبنان الثانية إلى عملية معاكسة، فشل الجيش الإسرائيلي في القتال يقضم ثروتنا الأهم بالنسبة للأمن القومي ــ صورة الدولة القوية الجبارة التي تمتلك جيشاً ضخماً وقوياً ومتطوراً قادراً على ضرب أعدائنا وتوجيه ضربات ساحقة لهم إن تجرأوا فقط على التحرش بها. هذه الحرب، كما اتضح بسرعة كبيرة جداً كانت حرباً على الوعي والردع وقد فشلنا في الحالتين.
هذا الكلام يخالف ما طرحه فريدمان في مقالته تلك التي تعج بآراء ليس له أي معنى بالمفاهيم الواقعية والعقلانية، والظروف الراهنة تكشف أن هذه الحرب أعطت إسرائيل حجمها الحقيقي ومكانتها وقدرتها بلا رتوش أو تهويل.
والغريب أن توماس فيردمان يتحدث عن الدمار الذي لحق بلبنان وشعبها من جراء الحرب الإسرائيلية المفتوحة والمعاناة التي ستترتب على هذا القصف والتدمير والتهجير.. لكن فيردمان لم يسأل نفسه..هل هذه هي أخلاق الحرب؟! هل هذا التدمير سيجعل اللبنانيين يركعون أمام إسرائيل ويذعنون لشروطها ويسلموها الأسرى ويطردون المقاومة من الحدود، ويبدأ بعد ذلك تطبيق مشاريع الشرق الأوسط الجديد الذي يجعل إسرائيل قائداً للمنطقة ومسّيراً لخيارها وأسلوب حياتها ونموذج ثقافتها.
وبعد ذلك من قال إن التدمير والقصف والأهوال تجعل من أي شعب من الشعوب يستسلم للعدو.. أياً كان هذا العدو. إن المملكة المتحدة في الحرب الكونية الثانية تعرضت للقصف العنيف من قبل القوات النازية، وكانت الغارات الجوية تتناوب على العاصمة لندن، ويذكر البعض الذين تحدثوا عن هذا الهجوم العنيف على المملكة المتحدة في هذه الحرب أن نصف مدينة لندن تدمرت تماماً.
ولكن القائد البريطاني الشجاع تشرشل رفض الاستسلام كما استسلم غيره في هذه الحرب، واستطاع الصمود والدفاع والمقاومة، على الرغم من الاهوال التي حصلت لهذه المدينة وغيرها من المدن البريطانية، وفي النهاية انتصرت بريطانيا وتحقق النصر للحلفاء وهزمت ألمانيا.
لكن الذي أود قوله في هذه الإشارة، أن التدمير والخسائر والدماء لا يمكن أن تجعل شعبا من الشعوب أن يطأطيء رأسه للعدو لمجرد التفوق العسكري أو القمع اللانساني.. وحزب الله على الرغم من البون الشاسع، والفرق الكبير بينه وبين إسرائيل عسكريا وتكنولوجيا استطاع أن يهزم هذه الغطرسة وغرور القوة، وأن يحقق الردع العسكري مع التفاوت في القدرات والإمكانيات.
لكن إرادة الصمود والثبات على الحق جعل هذا الحزب المقاوم أن ينازل إسرائيل بل ويعطيها دروساً حتى في العسكرية التقليدية، كما حصل في معارك الجنوب حيث حقق انتصارات وتكتيكات اعترف بها العسكريون الإسرائيليون.
الأغرب ما قرأته في مقالة الكاتب المرموق هذا، ما قاله في إحدى فقرات المقال غير أنهم ــ ويقصد اللبنانيين ــ سيثيرون حتماً السؤال المطروح سراً وخفية الآن في وجه نصر الله: هل لك أن تخبرنا عن الغاية التي رميت إليها بشنك هذه الحرب ؟!.
وأنا هنا أيضا سأسأل هذا الكاتب الغريب الأطوار.. هل حسن نصر الله هو الذي شن هذه الحرب المفتوحة؟ أم أن إسرائيل هى التي شنت هذه الحرب؟ هذا القول للأسف لم يجرد الحقائق من مضامينها لمجرد أنه يؤيد إسرائيل بحق أو بدون حق، بل انه حاول أن يستخف بعقول القراء والمتابعين لكتاباته.. وإلا لماذا يقول إن نصر الله شن هذه الحرب على إسرائيل؟ .
إن إسرائيل لا تزال تحتل أراض عربية في لبنان وسوريا وكذلك في فلسطين القضية الأولى، وإذا أراد فريدمان ومن يدور في فلكه أن تنعم إسرائيل بالأمن والاستقرار فعليها أن تعيد الحقوق لأصحابها وتنسحب من مزارع شبعا، ومن الجولان المحتل ومن فلسطين وفق القرارات الدولية.
القرار 1701 الأخير جاء لإنقاذ ماء وجه إسرائيل وليس شفقة على لبنان وشعب لبنان، وإذا كان الهدف حماية لبنان فلماذا لم تتم الإشارة إلى المهجرين والتعويضات وغيرها وغيرها..لكن الانحياز والأحكام المسبقة والتأييد لإسرائيل في كل ما تفعله جعلهم يتجاوزون هذه المسائل في هذا القرار الدولي المفبرك.
لكن الذي لا يختلف عليه أحد ــ حتى في إسرائيل ــ أن حزب الله انتصر، واستطاع أن يهزم اسرائيل، وأن يكشف ما تتذرع به من قدرات وعبقريات كاد بعضنا أن يجعلها أسطورة من الأساطير.