عندما انتخب بوش رئيسا لأميركا فرح بعض العرب كثيرا لاعتقادهم أن علاقة عائلة بوش بآل سعود الخاصة ستقود ساكن البيت الأبيض الجديد إلى الإصغاء لوجهة النظر السعودية فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وربما أيضا إلى التحلي ببعض الحكمة والتروي التي عرفت عن ملوك السعودية.
كما فرح البعض الآخر لاعتقادهم أن انتخاب بوش أبعد شبح آل غور مرشح الديمقراطيين ونائبه عن البيت الأبيض، وذلك بعد أن اختار آل غور يهوديا محافظا كنائب وشريك له يقود معه المعركة الانتخابية، ويخلفه في الحكم في حالة وفاته.
لكن الذين فرحوا من العرب لانتخاب أو لاختيار بوش، لم يطلعوا على تاريخه الذي كان يحفل بالمتناقضات والفشل، الفشل في إدارة أعماله وأعمال شركائه في حقول النفط، والتناقضات السلوكية والمواقف الإيمانية التي سلكها وآمن بها في حياته. إذ بينما تهرب بوش بمساعدة والده من الخدمة العسكرية، مر خلال فترة دراسته الجامعية وبعدها في مرحلة اتصفت بالإدمان على الكحول والابتعاد عن الدين.
إلا انه عاد بعدها وتاب وأقلع عن تعاطي الكحول وانضم إلى صفوف المسيحيين المتطرفين الذين يطلقون على أنفسهم «المسيحيون المولودون ثانية». وكما تشير العديد من الدراسات النفسية والتجارب العملية، إن من الصعب الاطمئنان إلى اتزان وحسن تصرف من ينتقلون من فكر إلى فكر آخر نقيض.
إن مما شك فيه أن الرئيس بوش لم يأت إلى الحكم بسبب ثقافته العالية، ولا بسبب تجاربه الناجحة في الإدارة السياسية أو الاقتصادية، ولا بسبب ذكائه أو حكمته، ولا بسبب كونه بطلا حارب باسم أميركا ومن أجلها. لقد جاء بوش إلى الحكم كصدفة تاريخية، وتم انتخابه في عملية مشكوك في سلامتها من الناحيتين الأخلاقية والشرعية، وتحول وجوده على رأس الدولة العظمى الوحيدة في العالم إلى كارثة إنسانية.
إذ جاءت تصرفاته في أفغانستان والعراق، ومواقفه تجاه لبنان وحقوق شعب فلسطين وإيران وقضايا السلام والاستقرار في الشرق الأوسط عامة، لتعكس تصرفات هوجاء إلى أقصى الحدود.
إن القيادات الصدفة لا تعجز عن القيام بأعمال غير عادية، بل على العكس من ذلك تماما، إذ كثيرا ما تلجأ إلى القيام بأعمال جريئة غير منطقية، وذلك من اجل إثبات أهليتها للحكم، وإعادة تأكيد شرعيتها المشكوك في سلامتها.
ولنا في عالمنا العربي خير مثال في تصرفات الرئيس السادات الذي كان مجيئه للحكم صدفة تاريخية محزنة دفعته إلى المغامرة بالذهاب إلى القدس، حيث فتحت مغامرته الباب على مصراعيه لبدء مسلسل استسلام الأنظمة العربية الواحد تلو الآخر، وحصول الكيان الصهيوني على صك شرعية الوجود، وترجمة كل أحقاده التاريخية دماء لأطفال فلسطين ولبنان.
وهذا يضع الأوطان التي تقع تحت إدارة قيادات صدفة في موقع حرج، ويعرضها للخطر، ويهدد الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي والدولي على السواء. ولما كانت أميركا هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، فإن وجود قائد صدفة على رأسها حولها من قوة بناء تعمل على تحقيق التنمية والعدل والديمقراطية في العالم، إلى قوة هوجاء تعمل على تغذية الكراهية والحقد، وتشجيع قوى الظلم، وتبادر بشن حروب مدمرة.
وكما أن الحكمة هي كالمرض تعدي من يقترب منها، كذلك هو الهوج يعدي كل من يقترب منه. فعلى سبيل المثال، كانت سنوات الرئيس كلينتون الأخيرة في البيت الأبيض أكثر حكمة من سنوات حكمه الأولى، وذلك بعد تقربه من الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا، الذي تسبب على ما يبدو في انتقال جزء مما لديه من حكمة للرئيس كلينتون. ومنذ التوجه نحو غزو العراق وتدمير بنيته التحتية وتفتيت النسيج الاجتماعي والسياسي لمجتمعه، وجد بوش أكثر من سياسي أهوج في بريطانيا وايطاليا واستراليا وغيرها من بلاد العالم للانضمام إليه والمشاركة في حملته العسكرية المدمرة. ففي ايطاليا.
كانت محاولة تقرب رئيس وزرائها السابق بيرلسكوني من سيد البيت الأبيض سببا في تحويله إلى سياسي أهوج، تسبب في قتل أبرياء ايطاليين في العراق، وفي إثارة الشكوك حول عقلانية السياسة الايطالية. من ناحية أخرى، كان التقارب بين رئيس وزراء بريطانيا توني بلير والرئيس بوش سببا في تحويل بلير، الذي جاء للحكم كرجل عاقل وذكي، إلى رجل أهوج صغير تابع لرجل أهوج أكبر وأخطر.
بعد أن أعطى قدوم بلير إلى الحكم في بريطانيا أملا في إمكانية قيام الدولة العجوز باستخدام مكانتها المقربة من أميركا بدور إيجابي في حل مشاكل الشرق الأوسط، خاصة مشكلة فلسطين، تحول بلير، وبسرعة غير عادية بعد وصول بوش إلى الحكم، إلى لاعب احتياط في فريق يقوده رجل متهور يستخدم استراتيجية هوجاء للسيطرة على العالم. وفي الواقع، كان بلير يصدر تصريحات مشجعة بين الحين والآخر وكلما تدهورت الأمور في العراق وفلسطين.
ويسرع بالذهاب إلى واشنطن لإقناع رئيسها بوجوب العودة إلى منطق العقل، إلا أن بلير كان يعود كل مرة خالي الوفاض، وأصغر مما كان عليه قبل رحلة الذهاب. ومع الأيام أصبح بلير صغيرا لدرجة جعلت من الصعب رؤيته بالعين المجردة إلا في نادي القيادات الهوجاء.
وحين قررت المستشارة الألمانية ميركل أن تتقرب من بوش وجدت نفسها لا تقوم بدعم سياساته الهوجاء فقط ،بل وأيضا في التعاون مع أهوج لندن في تعطيل تقدم الاتحاد الأوروبي نحو استكمال مقومات دولة عظمى متحضرة، تكون بمثابة ضمير لعالم يسيطر عليه الهوج والحماقة.
وفي إسرائيل، جاءت غيبوبة شارون لتضع الدولة اليهودية تحت إمرة قائد صدفة، اتجه منذ يومه الأول إلى التقرب من بوش والانضمام لنادي القيادات الهوجاء. وكغالبية القيادات الصدفة أصر اولمرت على القيام بخطوات غير عادية تذكرنا بجرائم النازية ضد اليهود، وذلك من خلال ارتكاب اليهود لجرائم مماثلة بحق العرب.
أكاديمي أميركي من أصل عربي
Professorrabie@yahoo.com