قبل نحو ستة وعشرين عاما، نشر صديق عزيز هو الأستاذ الدكتور أحمد رفيق قاسم، المدرس بقسم الاقتصاد في جامعة الإمارات آنذاك، وفي شتاء عام 1980 بالتحديد كتابه القيم جدا والمهم غاية الأهمية «تخطيط التعليم في جامعة الإمارات لغاية عام 2000»، ذلك الكتاب الذي لم يجد آذانا صاغية ولا عقولا واعية ولم يلق له أحد بالا لا من جهة رسمية ولا غير رسمية، بما في ذلك جامعة الإمارات نفسها، حتى ذهب كل الجهد والعناء الذي بذل فيها أدراج الرياح.

بعد عشرين عاما كاملة من نشر تلك الدراسة، لم تتحقق التوقعات التي توصلت إليها ـ ولأسباب لا تتعلق بمنهجيتها في البحث، بل بسبب تبدل المعطيات والظروف على أرض الواقع - من ناحيتين، من حيث أعداد الخريجين في التخصصات العلمية والمهنية، وأيضا من حيث تركيبة أفواج الطلبة المقبولين سنويا، فنسبة الطلاب الذكور الذين قبلوا فعلا في الموسم الجامعي 99/2000 لم تتجاوز 40% من إجمالي الطلبة المقبولين البالغ عددهم 4805 طلاب وطالبات.

بينما كانت الدراسة تتوقع أن تصل نسبة الطلاب الذكور المقبولين في نفس الموسم إلى 56% من إجمالي الطلبة المقبولين وأن يبلغ عددهم 4881 طالبا وطالبة (لاحظ الدقة في تنبؤ الدراسة بالعدد المتوقع قبوله)، على الرغم من أن الطلاب الذكور في الجامعة كانوا يمثلون في الموسم الجامعي 79/1980 الذي صدر الكتاب بعد بدايته بأشهر نسبة مقدارها 60% من إجمالي الطلبة المقبولين.

أما اليوم، وبعد انقضاء ستة وعشرين عاما من نشر الدراسة صار المشهد أشد قتامة وكآبة، وتحوم من فوقه المئات من علامات الاستفهام والارتياب، فلماذا تناقص عدد الطلاب الذكور في الجامعة إلى حد أن تصل نسبتهم في الموسم الجامعي 05/ 2006 إلى 33% (نسبة الإماراتيين 19% فقط) ؟

وإلى أين تسرب هذا العدد؟ وإذا بقي هذا الحال على ما هو عليه، فكيف ستغدو الملامح المستقبلية لسوق العمل في الدولة، وهي السوق التي تعتمد اعتمادا أساسيا على العنصر الذكوري؟ سلسلة من التساؤلات لا يتسع المجال هنا لحصرها.

قد تقرأ الإجابة عن التساؤل الأول بين سطور نتائج الثانوية العامة للموسم الدراسي 05/2006 التي جاءت كما جرت عليه العادة مخيبة للآمال والظنون، بانحياز التفوق إلى صف الإناث بشكل لم يترك مجالا للشك بأن التزامهن التعليمي ومستواهن الدراسي يفوق الذكور بمراحل، فقد احتلت الطالبات 5,59% من المراتب الأولى للمتفوقين بالقسم العلمي، و 100% من المراتب الأولى بالقسم الأدبي، وكانت النسبة العامة للنجاح بين الطالبات 7,87% بينما بلغت النسبة بين الذكور 3,63%.

مثل هذه الأرقام والنسب والمعطيات تقض مضاجع القادة والمسؤولين في دول العالم المتقدمة وتملؤهم قلقا وهلعا، ويجبرهم استشعارهم للمسؤولية على إعادة كل حساباتهم، لأنها تعني:

1 ـ أن المنظومة التعليمية عاجزة عن إمداد أدوات الإنتاج الاقتصادي في الدولة بالمدخلات التي تحتاج إليها من الأيدي العاملة بالأعداد وأيضا بالتخصصات المهنية والمهارات الميدانية، ما يعني أن مستويات الإنتاج سوف تتراجع وجودته سوف تتدنى لدرجة يعجز معها عن منافسة المنتجات المنافسة، وهذا سيؤدي بالتالي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

2 ـ أن الكفاءات القيادية المستقبلية ستتآكل باستمرار لتناقص المدخلات من المواهب الجديرة والمتوثبة إلى التعلم بشغف، والعمل بكفاءة وجدية واقتدار، مما يفاقم من آثار الكارثة الاقتصادية التي أشرنا إليها في النقطة السابقة.

3 ـ الاعتماد بشكل شبه كلي في سد النقص في اليد العاملة الماهرة مهنيا وفنيا على استقدام قوة العمل الوافدة للتقليل من انعكاسات الكارثة الاقتصادية، وفتح الباب على مصراعيه مكرهين لا أبطالا أمام هذا الطوفان، وهذه إشكالية بحد ذاتها بسبب تأثيراتها ومخاطرها السلبية على المجتمع اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وأمنيا.

إن المشهد التعليمي في الإمارات لا يحتمل البحث عن مبررات أو أعذار للتملص من خطيئة تردي مستوى مخرجات المنظومة التعليمية خاصة عند خريجي المدارس والجامعات، بل إنه في أشد الحاجة إلى وقفة شجاعة للبحث عن العوامل المسؤولة عن تلك الأرقام التي عرضتها أو التساؤلات التي طرحتها آنفا، أما من وجهة نظر شخصية بحتة فلعل بعضا من تلك العوامل تكون:

ـ عوامل استراتيجية: رغم المحاولات السابقة التي بذلتها وزارة التربية والتعليم، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في الخروج من دوامة العشوائية في قيادة المسيرة التعليمية بإقرار خريطة هيكلية أو خطة استراتيجية للتعليم في دولة الإمارات ذات رؤية شاملة نابعة من قيم المجتمع الإماراتي العربي المسلم وثوابته، ومحيطة بتحديات المرحلة، وتستشرف المستقبل لترسم آفاق طموحنا، لتحدد أولا: الملامح والخطوط الكلية للعملية التربوية والتعليمية وأهدافها، والهيكل التنظيمي للمنظومة التعليمية في الدولة بمؤسساتها وتشريعاتها، وثانيا: الأسس والمفاهيم التي تقوم عليها العمليات والممارسات التربوية.

وثالثا: محتوى العملية التربوية بجوانبها التربوية والمعرفية والمنهجيات والسياسات المتبعة، ورابعا: مواصفات المنتج التربوي (مخرجات العملية التربوية) لتحقيق حد أدنى من تجانس المستوى الدراسي لمخرجات المنظومة التعليمية والارتقاء بها من حيث النوعية (التخصصات المهنية والمهارات الميدانية) ومن حيث الكفاية (العدد)، وخامسا: مشروع أو برنامج عمل له إطار زمني مستهدف لتطبيق هذه الاستراتيجية.

ـ عوامل تعليمية وتنظيمية: إن عناصر العملية التعليمية في الدولة تعاني من ضعف فادح، بل إن الكثير من مكوناتها لا يرقى إلى مستويات الدول المتقدمة أو السائرة على خطاها، ولا تزال عناصر مهمة وجدية بالنسبة للعملية التعليمية لم تأخذ حظها من التطبيق مثل:

ـ عدد الأيام الدراسية، التي لا تزيد على 180 يوما في السنة (بعد التعديل) بينما تتجاوز 210 أيام في بعض الدول.

ـ عدد الساعات التعليمية، التي بالكاد تصل إلى 16 ساعة، بينما تصل إلى 35 ساعة في بلد كالولايات المتحدة.

ـ إهمال اللغة العربية لدرجة قد تصل إلى إلغائها الانجليزية تماما بدعوى الاهتمام باللغة الانجليزية، والعربية هوية الدولة، وهي ـ رغم مزاحمة اللغة الإنجليزية والتحيز المريب الذي تجده من بعض «المسؤولين»

لا تزال لغة الدين والتشريع والأدب والإعلام، أما الخلل في استخدامها في مناهج العلوم والرياضيات فناشئ من مستوى المناهج والمعلمين، وأما هي فبريئة منه.

يضاف إلى ذلك تدني مستوى المناهج الدراسية والوسائل التعليمية لاسيما في المدارس والجامعات الحكومية، ونقص كفاءة الكوادر التدريسية، وضعف الإدارة المدرسية، أما نظام التقييم الذي يفترض أنه يحدد درجة الاستيعاب والمستوى الذهني عند الطالب لتصنيفه في المرحلة التعليمية التالية، هذا النظام تحولت وظيفته إلى مانح لصكوك اجتياز المرحلة.

وباختصار تحولت المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية إلى مكاتب تعشش فيها البيروقراطية، أما المدارس والجامعات الخاصة فهي إما مؤسسات تجارية تعمل وفق مفاهيم الربح والخسارة، وإما مجتمعات خاصة تتعامل مع طلبتها على أسس عنصرية. والحاصل في هذا البازار التعليمي أن المعاهد والجامعات الإماراتية تحاول مجاراة «البزنس»، وتزعم أنها تركز على تخريج كفاءات لهذا النوع من سوق العمل، بينما خريجوها في معظمهم لا يتقنون من الناحية العملية إلا بعض الاستخدامات الحاسوبية البسيطة والتحدث باللغة الإنجليزية.

في الواقع هنالك اعتقاد سائد بأن هاتين المهارتين كفيلتان بجعل الخريجين ماهرين مهنيا وفنيا وحرفيا بدرجة عالية لأي وظيفة على وجه الأرض، وهما لا تعدوان كونهما مهارتين عاديتين ومهمتين ولا تؤهلان الخريج إلا للعمل في وظائف تحتاج إلى قليل من المهارة كبعض مهام السكرتارية العادية.

وبعض التخصصات الإدارية ذات المهام الكتابية والتواصلية المدعمة بشحنة من تدريب عملي وميداني بسيط، وهذه الحقيقة هي المسؤولة اليوم عن أفواج العاطلين عن العمل من شباب الإمارات، ولأن مؤسسات القطاع الخاص هي وحدها التي تفطن إلى أبعاد توظيف مثل هذه الكفاءات الهزيلة وتأثيرها العكسي على أدائها ونتائجها المالية، لذلك فإنها تحجم عن استقطابهم بشتى الذرائع إلا تحت طائلة العين الحمراء.

واختبارا لمدى نجاح المنظومة التعليمية في الوفاء باحتياجات الدولة من قوة العمل، سأطرح التساؤل التالي: هل تتوافر بين صفوف الخريجين مهارات مواطنة يمكنها ـ دون الاستعانة بأحد ـ تصميم محطة لتوليد الطاقة وتشييدها وتركيب معداتها وتشغيلها وإدارتها وصيانتها؟ أما الإجابة فسأتركها للقارئ.

عوامل تربوية: أدى الانتشار المذهل لمراكز اللهو ووسائله ذات الوجه «الترفيهي» الخادع كالقنوات الفضائية «الهابطة» ومقاهي المراكز التجارية، وحانات تدخين «الشيشة»، أو الوجه «الرياضي الاستعراضي» الزائف كامتطاء العربات النارية والدراجات البحرية وسيارات الدفع الرباعي الرياضية وغيرها، وقدرتها الخارقة على اجتذاب الشباب، إلى إفساد ميولهم وأوقاتهم واهتماماتهم.

وواكب هذا الوضع المخيف انحسار الدور التقليدي للبيت (المؤسسة الأسرية) في البناء التربوي والتعليمي للطالب، وباتت اهتمامات الأبوين تنحصر في الجانب المعيشي للأبناء كتوفير الملابس والطعام واللهو والمواصلات واختيار المدرسة التي تناسب المستوى الاجتماعي للأسرة.

في الوقت الذي تلاشى فيه اهتمام الأبوين بالجانب التربوي والعاطفي (الشعوري) عند أبنائهم وتوجيههم التوجيه الصحيح، فلم يجد الأبناء إلا التشاغل بشؤونهم الوظيفية أو التزاماتهم الاجتماعية الخاصة، أو ربما وجدوا التشجيع وتسهيل اقتناء تلك الوسائل أو ممارسة هذا النوع من الترفيه الإفسادي فوقع الأبناء فريسة سهلة في براثن المراكز ووسائل اللهو تلك «فشفطت» شريحة كبيرة من الطلبة الذكور.

عوامل اقتصادية: بسبب الظروف الاقتصادية القاسية لكثير من الأسر الإماراتية، وهذا بخلاف المسلمات التي يتم تداولها بلا دراية بحقائق الأمور، بدأ الأبناء من الذكور ـ وفقا لقواعد دورهم التقليدي في المسؤولية عن الأسرة ـ في الاتجاه إلى سوق العمل بمجرد الحصول على الثانوية العامة بل ربما قبل ذلك لاقتناص أي فرصة عمل سانحة، وساعدت سياسة فتح باب العمل لهذه الفئة لدى بعض الأجهزة والمؤسسات الحكومية والخاصة على «سرقتهم» من مقاعد الدراسة الجامعية وإلحاقهم بميادين العمل لاسيما للوظائف الخدمية البسيطة.

دون النظر إلى افتقارهم إلى التخصص العلمي أو التأهيل المهني أو الحرفي المناسب للعمل، وحتى دون الاهتمام باعتبارات تأهيلهم سلوكيا ونفسيا لجعلهم قادرين على دخول عالم الوظيفة، وفوق ذلك دون النظر إلى التأثيرات السلبية لهذا النوع من التوظيف غير الواعي على مصالح المجتمع.

كاتب إماراتي