الاختلاف في الرأي كالاختلاف في الذوق، كلاهما ظاهرة صحية تدل على الحرية في التفكير، والتنوع في المواقف، والتعدد في المذاهب السياسية والاجتماعية والفنية، فإذا اختلف فريقان في شأن من شؤون الحياة فاختلافهما يحملهما على التحاور، والتحاور يفضي إلى التقارب والتقارب ينتهي إلى ضرب من ضروب الاتفاق آخر الأمر.

ولنفترض أن أحد الفريقين أقوى عضلاً، وأنكى سلاحاً، ففرض رأيه بالقهر لا بالإقناع، فإن تقلب الأحداث يقلب موازين القوى، إذ يجعل القوي ضعيفاً والغالب مغلوباً حينئذ ينقلب السحر على الساحر، ويود المنهزم الذي كان منتصراً أن يحتكم إلى العقل بعدما رفض الاحتكام إليه.

ومن الملاحظ ـ ونحن نراقب الجريمة التي ترتكبها الصهيونية في لبنان ـ أن اختلاف الآراء حول مواقف «حزب الله» وطبيعته وتاريخه، ومنطلقاته الفكرية يشغل الأوساط السياسية العربية، وينجم عن هذا الاختلاف في الآراء تشعب في المواقف التي يرتبط بها مصير الوطن العربي، لا مصير لبنان وحده.

لم يبدأ الخلاف يوم بدأت الجريمة في 12يوليو2006 وإنما بدأ منذ سنين، أي: منذ أصبح هذا الحزب قوة لها وزن في معادلة الصراع العربي الصهيوني، فلما استطاع أن ينجز ما أنجز من تحرير الجنوب، وطرد الغزاة رسخت مكانته، وكادت تفوق مكانة بعض الجيوش العربية المهشمة أصلاً.

والمصابة بداء الترهل، بحيث أصبحت لا تصلح إلا للعرض في المناسبات. وجوهر الخلاف يمكن في الإجابة عن الأسئلة التالية: ما طبيعة حزب الله؟ وما انتماؤه؟ أهو إيراني الهوى والعقيدة؟ مذهباً وسياسة وهدفاً؟ أم هو منظمة طائفية المذهب عربية النزعة، لبنانية الانتماء؟

ومن حقي أن أرجئ الإجابة عن الأسئلة السابقة حرصاً على الوحدة العربية والرابطة الإسلامية، وليس من حقي أن أنكر على الحزب فضله، أو أن أتنكر لما يجري فوق لبنان من جرائم وصلت أصداؤها إلى فنزويلا فحركتها مع أنها مرت فوق بضعة أقطار عربية، وهي تجوز المتوسط والأطلسي لكنها «لم تلامس نخوة المعتصم» كما لامست نخوة شافيز!

ما يجري في لبنان جريمة كبرى بأكبر المقاييس وأصغرها، تهدف إلى طمس ظاهرة عظمى في تاريخنا الحديث وهي المقاومة والحزب الذي رفع رايتها، أما ما يتمخض عن هذه الجريمة بعد أن تسكت المدافع فأمر خطير غاية الخطورة. لقد خبرنا ـ نحن العرب ـ الساحة اللبنانية بكل تضاريسها السياسية والمذهبية والطائفية وبكل سلبياتها وإيجابياتها أي بمعنى آخر بقدر ما هي قابلة للشقاق قابلة للوفاق أيضاً والدليل على ذلك الحرب الأهلية التي شهدتها هذه الساحة، ورغم ذلك تبقى الساحة الوحيدة المتعددة الآراء المتنوعة الاتجاهات، الحرة التفكير في مشرقنا العربي كله.

ولأنها كذلك فهي المنارة الوحيدة الدائمة السطوع في ظلامنا الدائم. إنها تمثل فسيفساء المجتمع وتنوعه وثراءه العقلي والروحي وهذه المنارة قد تكون الرائد الوحيد الذي يقود خطانا إلى التحرر، ولهذا شق على العدو بقاؤها ونماؤها فصمم على تدميرها وهيهات!!

وحزب الله خيط في هذا النسيج وشعاع من هذه المنارة، أو لون من ألوان الطيف، أخذ على نفسه أن يقوم بما عجزت عنه الجيوش ذوات المطارات والكليات العسكرية، والدول الزاخرة بالأسلحة المباهية بما على صدور ضباطها من أوسمة: إنه الفصيل العربي الوحيد الذي أجبر الغزاة على أن يرحلوا في جوف الليل رحيل اللصوص، فهل من الإنصاف أن ننظر إليه بالعين التي تحرك الجفون بالزراية، ولا تحرك الألسنة بالشكر؟

الإنصاف يقضي بأن ننظر إليه بالبصر والبصيرة، بالبصر الذي يميز المستميت في سبيل الله والحق والوطن من المتهالك على الدنيا والمنصب واللقب.

وبالبصيرة التي تستنبط من مواقفه أن الإنسان العربي بطل مقدام لا تقل شجاعته عن شجاعة أعظم الشعوب والأعراق الأخرى، وأن حزب الله رد إلى أمتنا ما أضاعه عبدالله الصغير قبل ستة قرون حينما ودع غرناطة مشيعاً بغضب أمه، ولعنة أمته.

فالإنسان العربي إذن عنصر شجاع يحتاج إلى تفعيل ليس إلا. إننا ندعو إلى التجرد من كل اعتبار، والتحرر من كل مسوغ، والارتفاع إلى مستوى الإحساس بالتبعة القومية والروح الإسلامية إذا أردنا الإجابة عن الأسئلة المطروحة في بداية هذه الخاطرة.

إننا نقول: تعالوا إلى كلمة سواء، إلى الاعتراف بقوة الروح التي تدفع أبطال الجنوب إلى قتال الأعداء. وإلى الشهادة في سبيل الله، بعد أن أظهر الشاب اللبناني الذي نشأه هذا الحزب على العقيدة الصادقة ودربه التدريب القاسي أن العزم أوقى من السلاح، وأن السلاح في يد ذوي العزم يصبح أمضى وأنفذ من الرصاص، وأن القيادة التي قادت، ودربت، ووجهت غلبت بالفئة القليلة الجيش الكثير والسلاح الأكثر، وصدق من قال:

«إن السلاح جميعُ الناسِ تحملُهُ

وليس كلَّ ذواتِ المخلبِ السّبعُ

وعلى هذا الأساس نقول ما جاء في القول المأثور: «أعطني قطيعاً من الأرانب يقوده أسد، ولا تعطني قطيعاً من الأسود يقوده أرنب»، أجل كل جيش من جيوشنا يحتاج إلى أسد، وهو قادم بلا ريب، على الرغم من كثرة القادة والأرانب، ورحم الله من قال: «إن أشد الساعات حلكةً وسواداً هي التي تسبق انبلاج الفجر».

كاتب إماراتي