في الأسبوع الماضي وبعد خطاب الرئيس بشار الأسد سال كثير من الحبر العربي والأجنبي تعليقا على ذلك الخطاب، كثير منه ناقد، وقليل منه مؤيد. المهم أن لا يؤخذ هذا الخطاب بأكثر من توقيته وظروفه رغم كل المفردات الصعبة التي وظفت فيه، لان سوريا بالنسبة للعرب بلد محوري وهام.

الخطاب له أسبابه، فسوريا هي الوحيدة من البلاد المحيطة بإسرائيل لم توفق وضعها مع السلام حتى الآن، رغم طول معاناة، و خسارة ارض كبيرة وعزيزة ما زالت محتلة، وهي الجولان. وقد وجدت سوريا أن بلادا مثل مصر ومن ثم الأردن قد وصلت إلى حلول مرضية مع إسرائيل في الظروف والمعطيات التي مرت بكلا الدولتين العربيتين. من جهة أخرى فحرب لبنان الأخيرة أيضا وضعت لبنان على سكة قد تقود في نهاية الأمر إلى أن تأخذ هذه الدولة العربية كل حقوقها المشروعة.

لهذا وجدت سوريا نفسها وقد تركت خارج مدار المفاوضات والاتفاقات، وهي بالضرورة خارج احتمال مقاومة مسلحة، كما تضاءل الاهتمام الدولي بقضيتها. وليس المقام هنا تحديد من أخطأ ومن أصاب في المواقف السياسية على المستوى الآني، إلا أن الفكرة الأساس هي عدم ترك سوريا تذهب بعيدا عن المسار العربي، وربما كان من العقل الراجح تصريح الأمير سعود الفيصل في نهاية الأسبوع الماضي .

حين قال:( آمل أن يرى السوريون ميزة المحافظة على وحدة الموقف العربي). وهو قول حاذق وحصيف لم ينجر وراء العواطف، على الرغم مما جاء في خطاب الرئيس بشار الأسد من غمز ولمز، وما جاء فيه من تصعيد كلامي. تصريح الأمير سعود قد يكون هو هاجس دول الخليج وربما هاجس الكثير من العواصم العربية التي أصابها وابل من الغضب السوري.

سوريا تحتاج إلى عون لا إلى الكثير من النقد، فهي مثلا لا تستطيع أن تفعل ما فعله حزب الله في لبنان، والتوصيف الأكثر قربا إلى الواقع، بصرف النظر عن التفاصيل، أن حزب الله لم ينتصر بالمعنى العسكري والسياسي في المعركة التي استمرت أكثر من شهر، ولكنه وهذا من حقه، أبدى ممانعة مشهودة لمنع تحقيق انتصار إسرائيلي. وإسرائيل لم تهزم.

ولكنها لم تحقق انتصارا عودت عليه شعبها في الستين سنة الأخيرة، فقد كانت تدخل حروبا خاطفة مع العرب وعلى أرضهم وتكتسح، إلا الحرب الأخيرة فقد واجهت ممانعة لم تعرفها من قبل. وقد سمحت تركيبة لبنان السياسي المكون من نسيج متعدد وديمقراطي، سمحت هذه التركيبة، بأن يحارب جزء منها حربا هي اقرب لحرب العصابات على طريقة اضرب واهرب.

ولدت تلك الأعمال غضب دول كثيرة غربية، ولكن الجزء اللبناني الثاني ولد في نفس الوقت الكثير من التعاطف إلى درجة تدخل تلك الدول الكثيرة والعديدة لإنقاذ لبنان من التدمير الشامل. هذه المعادلة هي التي حققت للبنان، كل لبنان، ممانعة لم تعرفها إسرائيل في حروبها السابقة. وهي معادلة غير متوفرة لسوريا.

فلو دخلت سوريا في حرب مفتوحة مع إسرائيل لدمرت حواضر الشام دون أن يرف جفن في الموقع المخالف من المعادلة الدولية، ولو حتى لمعالجة آثار الحرب نفسها، عدا الركض لوقف إطلاق النار، أو تفهم مطالب مشروعة لسوريا، كما تفهمت القوى الدولية مطالب لبنان من اجل (النصف) غير المحارب!!

في الوقت الذي ترى فيه سوريا أن هناك توسطا بين العرب الذين تربطهم علاقات مع إسرائيل وبين الفلسطينيين ( في حالة الجندي الإسرائيلي المختطف في غزة، على سبيل المثال) لا تجد من يُذكر إسرائيل بأنها تحتل جزءاً غير يسير من الأرض السورية القريبة أيضا من العاصمة دمشق!

من هذا المنظور يجب النظر إلى خطاب الأسد، فلا العرب الذين سالموا استطاعوا تحريك العلاقة بينهم وبين إسرائيل لصالح فهم أفضل للجيران وأكثر عمقا لحاجة سوريا إلى سلام، ولا سوريا التي ترى أن علاقات متنامية بين عرب بعيدين وقريبين مع إسرائيل تتوالى، دون الأخذ بنظرية الممانعة السورية، وهي في الأساس ممانعة سياسية، أخذت تفقد زخمها بترك الأشقاء للمسار واحدا بعد آخر.

فالإحباط المتعدد الذي ترك في حلق سوريا مرارة من الواقع، مع غياب التعادلية الدولية في لحظة القطب الواحد وهو الولايات المتحدة، فان سوريا تجد لها مكانا واحدا للتنفيس، وهو استخدام التعددية اللبنانية، إن سمحت الظروف، لمحاولة الإخلال بالمعادلة التي تُفرض عليها، وهو أمر يسبب اضطرابا ليس للوضع اللبناني، وإنما أيضا لأطراف أخرى، لا ترغب أن ترى الساحة اللبنانية مثل العراقية النازفة.

ومن جانب آخر ترى أن تحالف المتضررين ( سوريا وإيران) هو أفضل المتاح حاليا على الأقل. لهذا تحدث الرئيس الأسد بكلمات وتعبيرات قاسية عن ( أشباه الرجال، والسلام الرخيص.. إلى آخر التعابير التي أثارت الكثيرين).

من جانب آخر فان حرمان إسرائيل من تحقيق نصر (معتاد) في حروبها بسهولة ويسر على العرب، جعلها تعي المتغيرات القادمة، وأن الزمن ليس بالضرورة لصالحها على طول الخط، وهنا تأثير استراتيجية حزب الله في الحرب التي انتهت بنقاش واسع وكبير في إسرائيل حول (حدود القوة العسكرية).

ومن يقرأ الصحف الإسرائيلية يعرف أن هذا النقاش جدي وقد يؤدي إلى تغيرات في العقيدة القتالية الإسرائيلية باتجاه إعادة النظر في (حدود القوة العسكرية) إلى درجة أن وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس، وبصفته زعيما لثاني الأحزاب الحاكمة، قد طرح علنا ضرورة نقاش السلام مع سوريا.

قد لا يطول نقاش إسرائيل في من انهزم ومن انتصر، كما قد تستنفد الإستراتيجية التي استخدمها حزب الله، لأنها قابلة للاستخدام مرة واحدة، إذا لم يجد العرب أن القائم من المعطيات هو فرصة يجب أن يستفاد منها، وهنا عودة إلى تعليق سعود الفيصل، وفي صلبه (المحافظة على وحدة الموقف العربي) فان الفرصة التي سنحت يمكن أن تضيع، وليس أفضل من طرق الحديد وهو ساخن، وهو أمر يحتاج من كل الأطراف العربية إلى عقل وليس إلى عضلات لسانية.

السلام العربي المطروح يجب أن يُفعل الآن، بمعنى سبر غور المجتمع الدولي بإدماج مطالب سوريا المحقة على السكة السريعة للتسوية السلمية. هذا الأمر لا يحتاج إلى فقط إلى همة عربية متعددة القدرات، ولكن أيضا إلى تفهم سوري، يستخدم تكتيكات مختلفة عما هي عليه الآن. حيث أن اعتبار كل العالم معاد لسوريا، وان لا أمل في سلام قريب، بل ترك الأمر إلى الأجيال القادمة، كل هذا قد يفسر انه يقع في إطار الممانعة الشمشونية التي لا يحب احد أن يرى سوريا فيها، يكفي ما نشاهد في العراق!

الغضب السوري والعتب العربي ليس وقته والتلاسن يضًيع الفرص، الوقت هو وقت محاولة الاستفادة القصوى من الموقف الدولي والإقليمي الذي خلق بسبب الحرب، ووضع الإفاقة الإسرائيلية في موضع الاختبار، لنتقدم بمخرج يضمد جراح سوريا ويضعها على سكة التنمية التي تحتاجها.

أما الأمر المعاكس الذي يمكن أن يحدث، فهو الدخول في (مزايدات) كلامية، تقول من جهة بتخوين شرفاء وتقود من جهة أخرى إلى مزايدة حول (تحرير الجولان) وجميع المزايدات التي قد تكون شعبية في تاريخنا المعاصر، قد أدت إلى كوارث وقصور في الرؤية.

من هذا المنظور التحليلي فان سوريا أهم بكثير من أن تترك غاضبة، أو تترك تتصرف من زاوية المانعة، فالوقت هو تضميد الجراح لا رش الملح عليها.

كاتب كويتي