حاولت الابتعاد عن هموم وطننا العربي لأترك ذلك لمن هم أقدر مني، وأبتعد مع القراء إلى موضوع آخر. لكن واقعنا والمخططات التي تُرسم لوطننا والتي لا يصلنا إلا القليل منها عبر وسائل الإعلام الأميركية ونتائج ذلك على مستقبل الأجيال القادمة، لم تترك لي مجالاً للابتعاد، لأن هذه الهموم فرضت نفسها علينا ودخلت واحتلت كل البيوت وشغلت أفكار الصغار قبل الكبار. أما ما هو مخطط لنا فينطبق عليه قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم «لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع».
إن قتل إخوة لنا في فلسطين والعراق ولبنان لا ذنب لهم سوى أنهم يدافعون عن أرضهم التي أثارت طمع محتل يريد اغتصابها بالقوة والسيطرة عليها، ليس إلا جزءاً من مخططات استعمارية تتغير أو تتوسع حسب أهواء المستعمر وحلفائه، وهذا ما يُنشر يومياً في وسائل الإعلام الأميركية من خلال تصورات جديدة أو تقارير تتعلق بالوطن العربي وبالشرق الأوسط بصفة خاصة.
وآخر هذه المخططات ما بعثه لي أحد الأصدقاء حول ما نشرته مجلة «Army Forces Journal» الأميركية والذي يضع تصوراً جديداً لخريطة الشرق الأوسط على أسس مذهبية وعرقية، ويضم عدداً من الدول الإسلامية والعربية والخليجية بالذات.
وهذا ما تأكد لنا منذ احتلال العراق ومستنقع الخلاف المقصود الذي خلّفته أميركا لتسقط فيه جميع أطياف الشعب العراقي سنّة وشيعة لنشر العداء بينها وتقسيمها إلى فئات مذهبية وعرقية تتقاتل فيما بينها، وتتلهى عن الديمقراطية التي إلى الآن لم تقدر أميركا على نشرها، والتي تم على أساسها احتلال العراق.
والواضح أن هدفها توسيع دائرة الاختلاف والتقسيم بين طوائف الدين الواحد لتشمل دول الخليج ولبنان، مع ان السنّة والشيعة في هذه الدول موجودان منذ قرون ويعيشان معاً إخوة وأقارب، ولم يحصل أن اهتم أحد منهم بخلفية الآخر المذهبية، وفي عدد من الدول العربية والإسلامية يشكلان عائلة واحدة.
لكن بعد احتلال العراق ظهر هذا الموضوع على السطح، والغريب في الأمر أن نقوم نحن أبناء المسلمين سنّة وشيعة بمساعدتهم على نشر أفكارهم الهدامة لخلق الفرقة فيما بيننا، وكذلك رقص قادة وسياسيون على نغمتهم نفسها وكأنهم موافقون على مخططهم.
أما الأغرب أن يخرج عالم ديني واجبه ودوره توجيه المسلمين ومساعدتهم على فهم أمور دينهم وليس أداة لخدمة المصالح السياسية، ويفتي بتحريم مساعدة أو مساندة حزب الله في محنة لبنان وكأنه يستبيح قتل الأبرياء واحتلال أرضهم ويبارك للعدو أفعاله الشنيعة فإذا كان الساسة حجتهم الضغوط السياسية، فما حجة مثل هذا العالم؟
ألم يكن الأجدر في هذه الفترة أن يجتمع علماء المسلمين سنة وشيعة ويطالبوا بتوحيد الأمة ويناصروا كل الذين ارتفعوا فوق الخلافات المذهبية ودافعوا ببسالة ليس عن أوطانهم فحسب بل عن الشرف والكرامة العربيين اللذين أهدرتهما المصالح السياسية، أم نحن مازلنا كما يقال عنا ظاهرة صوتية؟
إن الإسلام عندما ظهر كما نعلم ظهر بدون مذاهب أو انتماءات عرقية أو طائفية إنما نادى بالتوحيد، ولم تظهر المذاهب إلا بعد عشرات السنين من الرسالة المحمدية، باجتهاد مجموعة من العلماء الأجلاء الذين نكن لهم كل الاحترام بغية تسهيل أمور دين المسلمين كل حسب رؤيته في ذلك العصر، ولم يتوقعوا أبداً أن يصل جهدهم في يوم من الأيام إلى هذا الحد من الخلاف والاقتتال بين المسلمين.
والواقع الذي نعيشه يومياً يقول إن المسلمين وفي مقدمتهم العرب وصلوا إلى حالة من الضعف والانكسار لم يذكر التاريخ مثيلاً لهما، وقد مر العرب في بداية القرن الماضي بنفس المرحلة عندما طالبوا باستقلالهم من الاستعمار، وحاول المستعمر جرهم إلى نفس المأزق وإلى بث الخلاف والتفرقة بينهم ليقضوا على أنفسهم بأيديهم.
فمثلاً حاول الاستعمار البريطاني في مصر خلق خلاف بين المسلمين والأقباط، ولكن الشعب المصري في ذلك الوقت كان أكثر ذكاءً وحكمة وإرادة فخرج المسلمون والأقباط وعلى رأسهم علماء الدين تحت شعار واحد «الدين لله والوطن للجميع».
لكن يتضح أننا في الوقت الحالي لم نفقد إرادتنا فحسب إنما فقدنا حتى......!!
كتب أحد ملوك الفرنجة إلى هارون الرشيد: أنت على سعة رقعة أرضك، لا تشوبها قلاقل، وأنا على ضيق رقعة أرضي مملوءة بالمشاكل، فما السبب؟ رد عليه هارون الرشيد بسطر واحد: لأني أعرف كيف أنتقي الرجال.
كاتب إماراتي
sultan654@hotmail.com