حكومة ايهود اولمرت العدوانية التي مازالت تترنح وتعاني من حالة عدم توازن بعد فشلها في تنفيذ مخططها في لبنان الشقيق، تسعى إلى إشعال النيران وتأجيجها في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتعويض ما خسرته على الأرض اللبنانية من هيبة عسكرية تثير الآن استياء الشارع الإسرائيلي الذي يطالب بمحاسبة الحكومة بل وإسقاطها.
خيبة أمل أولمرت في القضاء على المقاومة اللبنانية الباسلة، تدفعه للبحث عن مخرج من مأزقه. صحيح أنه لن يرفع يده عن لبنان حتى لو اكتمل انتشار الجيش اللبناني «الرسمي» أو القوات الدولية التي يجري إنشاؤها الآن، إلا أنه يسعى إلى تسخين الجبهة الفلسطينية منذ بداية هذا الأسبوع.
والأسلوب الجديد للتسخين، هو تصعيد عمليات اختطاف واعتقال كبار المسؤولين الفلسطينيين. فبعد اختطاف رئيس المجلس التشريعي الدكتور عزيز الدويك والعشرات من أعضاء المجلس والحكومة، جاء الدور على نائب رئيس الوزراء الفلسطيني ووزير التربية والتعليم العالي الدكتور ناصر الدين الشاعر الذي اختطفته سلطات الاحتلال من منزله في رام الله، ثم عاودت الكرة مرة أخرى ليلة أول من أمس ودهمت منزل أمين سر المجلس التشريعي الدكتور محمود الرمحي ليلاً واعتقلته خلال ثلاث دقائق فقط من وسط زوجته وأولاده الأربعة دون أن يودع أسرته.
وبكل بجاحة ودون مراعاة للمواثيق الإنسانية والقوانين الدولية وما نصت عليه اتفاقية جنيف الرابعة، يقول الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيجاي أدرعي إنه لا توجد حصانة للمسؤولين الفلسطينيين وإن الاعتقالات في صفوف القيادة الفلسطينية ستتواصل.
مسلسل الاختطاف والاعتقالات الذي لن ينتهي ويستهدف كل قيادات حكومة حماس، يؤكد أن النية مبيتة لتوسيع نطاق العدوان الإسرائيلي على الجبهة الفلسطينية التي هي في الأصل لا تعرف هدوءاً.
أولمرت الذي قرر تجميد خطته للانسحاب الأحادي الجانب من بعض مناطق الضفة الغربية بعد فشله الذريع في لبنان، يتجاهل تماما الحوار مع السلطة الفلسطينية، بل ويلغي من برنامجه أي فكرة للتفاوض معهم. وهذا ما كشفت عنه وكالات الأنباء التي أشارت إلى أنه غير مستعد لمناقشة مبادرة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الخاصة بإحياء عملية السلام، ونقل هذا الموقف مباشرة إلى اللورد ليفي مبعوث بلير الخاص إلى الشرق الأوسط.
إن هناك مسعى بريطانياً من جانب توني بلير مباشرة لإحياء خارطة الطريق. وتقول صحيفة التايمز البريطانية إنه حصل على موافقة الرئيس الأميركي جورج بوش للسعي مجدداً إلى استئناف العمل على دفع عملية السلام في الشرق الأوسط. فرئيس الوزراء البريطاني الذي يشعر بخيبة أمل حيال عدم وفاء بوش بالتزاماته لتطبيق خارطة الطريق- كما قالت التايمز- لديه قناعة الآن بأن يجعل من إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أولوية خلال ما تبقى من ولايته، ولكن للأسف لا يجد استجابة من الجانب الإسرائيلي.
حكومة أولمرت تعلن صراحة موقفها الرافض لإحياءالعملية السلمية، بل تريد دفنها إلى الأبد. ولعل ما يقوله رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت) يوفال ديسكين، يؤكد أن الأراضي الفلسطينية على موعد قريب مع عدوان إسرائيلي على طريقة ما حدث للبنان الشقيق. فقد قال إن غزة ستصبح لبنان ثانياً.
وحاول أن يبرر العدوان المرتقب عليها بالقول إن تعاظم قوى المقاومة - التي وصفها بالإرهاب كعادة القيادة الإسرائيلية - مشكلة إستراتيجية، وأضاف مبشراً بالعدوان: «إذا لم نعالجها كما يجب سوف نحصل بعد سنوات قريبة على واقع شبيه بلبنان، ولا يتوجب علينا الانتظار».
إن إسرائيل تبيت النية لعدوان واسع النطاق على الفلسطينيين، وما لم يدافع دعاة السلام وواضعو خارطة الطريق عن مشاريعهم السلمية ويضغطوا لإحيائها، فالنار ستتأجج بفعل إسرائيل المسؤول الدائم عن إشعال حرائق الشرق الأوسط.