كانت الأسابيع الخمسة الماضية التي استغرقها العدوان الاسرائيلي على لبنان اسابيع موت ودمار في المنطقة. في خلال ثلاثة وثلاثين يوما استشهد 1145 لبنانيا، واصيب اكثر من .3628 وثلث هؤلاء الشهداء والجرحى كانوا من الاطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين الرضع المولودين منذ أيام وحتى 12 عاما. كل هؤلاء الشهداء من المدنيين قتلتهم القوات الاسرائيلية بدم بارد. وعلى الجانب الاسرائيلي، قتل 119 جنديا و41 مدنيا، واصيب 583 مدنيا و312 عسكريا.

وزعمت اسرائيل ان الحرب وكل ما خلفته من ضحايا ومن دمار كانت بسبب قيام حزب الله بأسر جنديين اسرائيليين مع ان حزب الله اسرهما في عملية عسكرية. وقد كان امرا مستفزا ان تزعم اسرائيل انها شنت هذا العدوان الشامل على لبنان من اجل جنديين أسيرين في حين انها تحتجز في معتقلاتها آلافا من الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين بينهم اعداد كبيرة من النساء والاطفال. ولكي نعرف ابعاد الجريمة، او بالاصح سلسلة الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل على امتداد فترة العدوان، فمن المهم ان ندرس ملامح شخصية المجرم الاول المسئول عن هذه الجرائم وحياته وافكاره. نعني بذلك بالطبع ايهود اولمرت رئيس وزراء اسرائيل.

وهنا، نشير باختصار الى ان اولمرت ولد في 30 سبتمبر عام 1945 في فلسطين المحتلة حين كانت تحت الانتداب البريطاني. والداه هاجرا من روسيا الى الصين ثم الى فلسطين. وكان ابوه، مردخاي، من اشد المؤمنين بافكار الصهيوني جابوتنسكي، التي تتلخص في ان ارض اسرائيل ينبغي ان تمتد من النيل الى الفرات. وكان اولمرت في شبابه تابعا مخلصا للارهابي الصهيوني مناحم بيجين، الذي اصبح لاحقا رئيسا لوزراء اسرائيل. وكان بيجين يشير الى اولمرت باستمرار بقوله: «ايهود، ابني«. هذه الخلفية والنشأة الارهابية لاولمرت، مثله في ذلك في الحقيقة مثل كل قادة اسرائيل، هي التي حددت ملامح شخصيته وتكوينه السياسي والنفسي. ولهذا لم يكن غريبا انه منذ أن أصبح رئيسا للوزراء، وقبل العدوان الاخير على لبنان، صار القتل والابادة والتدمير في المناطق الفلسطينية روتينا يوميا.

بالمقابل، ماذا عن السيد حسن نصرالله؟.. ماذا عن شخصيته ونشأته وافكاره؟. ولد السيد حسن نصرالله في بيروت في عام .1960 ولد لأسرة فقيرة، وعرف منذ طفولته معنى المعاناة والالم والحرمان. ويتذكر ايوب حميد، وهو برلماني لبناني عاش في نفس الحي الذي نشأ فيه السيد حسن انه في طفولته كان دائما هادئا رزينا متزنا يحظى بحب وثقة الجميع. كل الذين عرفوا السيد حسن صغيرا يجمعون على انه مع فقره، كان يسمو فوق الجميع بأخلاقه النبيلة وبثقته واعتزازه بنفسه وشخصيته القوية المستقلة. منذ سنوات صباه الاولى كانت اهتماماته السياسية واضحة للجميع. في سنوات دراسته، كانت معرفته بكل ما يتعلق باسرائيل تفوق معرفة الكل.. معرفته بساستها وسياساتها ومؤسساتها وامكانياتها العسكرية ومخططاتها.

الفكرة الاساسية التي تحكم تفكير السيد حسن وتشكل جوهر قناعاته تتمثل في ان اسرائيل قامت بالعنف والقوة والدم، وانه لا يمكن تغيير هذا الواقع وهزيمتها إلا بالقوة والتضحية والدم. كان اعتقاده راسخا دوما بأن الحقوق لا يمكن ان تستعاد عن طريق المراهنة على المجتمع الدولي وانما عن طريق الاعتماد على النفس وعلى ارادة استعادة الحق والتضحية من أجله. بهذه الروح وبهذه الافكار قاد السيد حسن نصرالله المقاومة. ولهذا، تمكن ومعه أعداد محدودة من المقاتلين المؤمنين المخلصين من إلحاق هزيمة تاريخية استراتيجية باسرائيل، ودمروا اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي قيل إنه لا يقهر. دمروا هذه الاسطورة رغم كل امكانيات وقدرات هذا الجيش التي تشمل فيما تشمل 4 آلاف دبابة وأحدث قوة جوية وبحرية واكثر من 250 ألفا من القوات المقاتلة.

لقد حققت المقاومة معجزة بحق. مجرد أن تتمكن من مقاتلة اسرائيل بكل امكانياتها وقدراته العسكرية لاكثر من شهر كامل هو في حد ذاته معجزة. فما بالك بالخسائر الفادحة التي تكبدتها اسرائيل. لقد كبدت المقاومة اسرائيل خسائر لم تتكبدها طوال تاريخ الصراع العربي الصهيوني. صواريخ المقاومة التي ضربت المدن والمستوطنات الاسرائيلية لم تهز فقط الدولة الصهيونية وشعبها، وانما هزت ايضا واشنطن ولندن والعالم كله. أن يعيش نحو مليوني اسرائيلي في الملاجئ لاكثر من شهر او يضطروا إلى إخلاء مستوطناتهم ليس بالأمر الهين بالنسبة إلى إسرائيل. في اليوم الاول للحرب، كتبت الصحافة الاسرائيلية تقول: إن رئيس الاركان دان حالوتس سوف يقضي على حزب الله نهائيا في خلال 100 ساعة. نفس هذه الصحافة هي التي قالت عن حالوتس بعد اسبوعين من بدء الحرب: إنه «جنرال حرب المائة عام«. طوال العدوان، لم تفعل القوات الاسرائيلية التي عجزت عن تحقيق اي انجاز عسكري، سوى قتل المدنيين الابرياء وارتكاب المذابح وتدمير البيوت والمباني والقرى والجسور والمصانع ومحطات الماء والكهرباء وأي منشآت مدنية.

واليوم، بعد أن انتهت الحرب، ليس هناك حديث في اسرائيل الا حديث الهزيمة. لم تفلح اي محاولة من قادة اسرائيل للتخفيف من وطأة الهزيمة او التقليل من وطأتها الثقيلة. كل المحللين الاسرائيليين فيما تنشره الصحافة الاسرائيلية لا حديث لهم الا عن الهزيمة وأبعادها وما سوف يترتب عليها. زئيف شيف اكبر محلل عسكري في اسرائيل قال: «لقد تلقينا صفعة«. لكن محللا اسرائيليا آخر كتب في صحيفة «هاآرتس« منذ يومين يقول: إن تعبير صفعة ليس ملائما، فحقيقة الامر «اننا تلقينا ضربة قاضية«. وقال: «نحن لسنا أمام فشل عسكري فقط.

هذا فشل استراتيجي لم تتضح بعد تبعاته وتأثيراته السلبية البعيدة المدى«. وليس هذا سوى نموذج واحد لما تنشره الصحافة الاسرائيلية عن الهزيمة. مقابل هذا، قبل الحرب كانت شعبية السيد حسن نصرالله في اوساط اللبنانيين عامة اقل من 40%. اليوم، تتجاوز شعبيته بحسب استطلاعات الرأي اكثر من 85%. هل هناك اي انسان عاقل يمكن ان يفكر أو يتصور أن من الممكن عزل نصرالله؟ حقيقة الأمر أن السيد حسن نصرالله اصبح زعيما رمزا في نظر الشارع العربي والاسلامي. ولقد بدأت الاصوات تتعالى في اسرائيل بالفعل وحتى قبل ان تنتهي الحرب تماما وقبل ان تكمل القوات الاسرائيلية انسحابها تطالب بالتحقيق في الهزيمة ومساءلة المسئولين العسكريين والسياسيين عنها. والمؤكد أن اولمرت سوف يكون عليه ان يخضع لحساب عسير عن الهزيمة وعن اسباب قيامه بشن هذه الحرب اساسا.

وبالفعل، منذ ثلاثة ايام كتب المعلق السياسي الاسرائيلي الوف بن موجها عشرين سؤالا الى اولمرت يطلب الاجابة عنها والتحقيق فيها. اول هذه الاسئلة، كيف ولماذا اتخذ رئيس الحكومة قرار شن الحرب؟ ومن كان شريكا في اتخاذ القرار وعلى اي اساس؟. وثانيها، هل تم بحث امكانية اجراء مفاوضات حول تبادل الاسرى كما اقترح حسن نصرالله؟. وهكذا تمضي الاسئلة العشرون وتتناول كل اوجه الهزيمة الاسرائيلية. الحقيقة التي اصبح الكل يعرفها هي ان امريكا ما كان لها ان تسعى لصدور قرار مجلس الامن ووقف الحرب لولا انها ادركت ان اسرائيل خسرت الحرب ولا يمكن ان تستمر فيها. لقد تمكنت المقاومة من تحطيم لواء جولاني، لواء النخبة في الجيش الاسرائيلي، في معركة بنت جبيل، على الرغم من انه كان مدعوما بالقوة الجوية والبوارج البحرية. الآن، ماذا بعد أن توقفت الحرب وانتهت بهزيمة اسرائيل؟.

من المفروض ان يكون الاسرائيليون والامريكيون قد استخلصوا الدروس الصحيحة. لقد آن الأوان لقادة اسرائيل من السياسيين والعسكريين ان يقبلوا بالامر الواقع الجديد. المفروض أن يكونوا قد ادركوا الآن ان هناك رجالا عربا قادرون على خوض المعارك معهم والانتصار فيها.. رجالا مستعدين للتضحية والاستشهاد من اجل اوطانهم ومن اجل استعادة الحقوق. إن كان الاسرائيليون قد أدركوا هذا، فمن المفروض ان يعرفوا الآن انهم ان كانوا يريدون العيش في هذه المنطقة في سلام، فليس أمامهم سوى ان يعيدوا الحقوق الى اصحابها وان يتخلوا عن الارهاب الذي يمارسونه.

وآن الأوان لأن يدرك القادة الامريكيون انهم لا يمكنهم ان يفرضوا مخططاتهم الاستعمارية وكل ما يريدون على الشعوب العربية بالعنف والقوة والغطرسة. آن لهم ان يدركوا انه ليس أمامهم من خيار سوى ان يتعاملوا مع الشعوب العربية وقضاياها بالعدل والإنصاف لا بالفرض والإكراه. باختصار، آن الأوان لأن يعلم الامريكيون والاسرائيليون أن القوة مهما بلغ جبروتها لا يمكن ان تقهر شعوبا لديها ارادة الدفاع عن اوطانها. الامثلة كثيرة جدا في التاريخ تؤكد هذه الحقيقة. ولدينا ثلاثة امثلة تاريخية كبرى من القرن الماضي: فرنسا ومحاولتها فرض ارادتها الاستعمارية في الهند الصينية. وامريكا وحربها الاستعمارية في فيتنام. وروسيا واحتلالها لأفغانستان. في الحالات الثلاث، انتهى الأمر كما نعلم بالقوى الاستعمارية الى الهزيمة. وهذا درس ينبغي ألا يغيب عن بال امريكا واسرائيل.

أنور عبدالرحمن