أخيراً وبعد حراك سياسي مكثف جاء المولود الجديد للقرار الأممي الصادر عن مجلس الأمن بشأن الحرب الإسرائيلية على لبنان، قراراً مشوهاً وسيئاً، لكنه أفضل الممكن في ظل المعطيات القائمة. فأسوأ ما في القرار الدولي الأخير الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي بشأن لبنان تحت الرقم (1701) أنه ساوى بين الجلاد والضحية. فقد جاء القرار بعيداً عن التوازن والموضوعية.

بعد مخاض عسير عملت خلاله الإدارة الأميركية على إخراج النصوص النهائية للقرار متوافقة بشكل أو بآخر مع المبتغى الإسرائيلي لمشروع الحرب على لبنان، وهي ذاتها الأهداف التي سعت واشنطن لتمريرها في التغطية التي تواصلت ومازالت على السلوك الإسرائيلي. فقد ضاق العالم ذرعاً بحجم الدمار الهائل والاستضعاف الكبير الذي مارسته إسرائيل بحق لبنان وشعب لبنان، ولم يعد ممكناً أمام الإدارة الأميركية من مفر سوى الاستجابة لإرادة العالم بأسره، والطلب من إسرائيل بوقف حربها الدموية على لبنان.

وفي المسار السيئ لولادة القرار، كانت كلمات رؤساء بعض الوفود، ومنها بالطبع كلمة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي حضرت بذاتها أعمال المجلس وكواليسه حيث طبخ القرار داخلها في نصوصه الأخيرة. لكن الطامة والمفاجأة كانت في كلمة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في جلسة المجلس، فقد كانت بعيدة عن التوازن شيئاً ما.

فساوى فيها بين قصف ما أسماه المدنيون الإسرائيليون بالكاتيوشا، ولم ينبس شفتاه بالإشارة إلى والاستهدافات الإسرائيلية المباشرة للقرى والبلدات والمدن والبنية التحتية اللبنانية بسلاح الرعب الجوي الإسرائيلي، واستخدام إسرائيل لأرقى أشكال التكنولوجيا في ارتكاب المذابح على أرض لبنان.

وعليه فان كلمة كوفي عنان أظهرت مرة ثانية مدى فقدان المعايير الموضوعية، وسيادة سطوة منطق القطب الأوحد حتى على الأمين العام للمنظمة الأممية، في ظل ابتلاع الولايات المتحدة الأميركية للهيئة الدولية ومجلس الأمن على وجه الخصوص.

لقد أخطأ كوفي عنان، وخانته الحقيقة هذه المرة، وكان عليه أن يكون أكثر موضوعية وإنصافا، في الحديث عن قتل المدنيين، فالجرائم التي تمت في القصف الجوي الإسرائيلي على مناطق لبنان أكبر وأوسع من مقارنتها باستخدام المقاومة اللبنانية لسلاح بالكاتيوشا المتواضع أمام حمم البوارج وقذائف طائرات الـ (ف 16)، وفي رد فعل مشروع على جرائم الاحتلال التي طالت كل لبنان من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه.

ان حفل مجلس الأمن بالتصويت على القرار الدولي ذي الرقم (1701) مساء يوم الجمعة 11/ 8/ 2006 جاء بعد أن بذلت القوى الدولية النافذة وذات المصلحة المباشرة جهوداً جبارة خلال الأيام الأخيرة للتوصل إلى القرار المذكور، عبر قنوات وكواليس الدبلوماسية الخلفية.

وتحديداً بين الولايات المتحدة وفرنسا. فالولايات المتحدة صاحبة المصلحة الرئيسية من مشروع العدوان على لبنان في مساعيها لشل وتحطيم قوى الممانعة في فلسطين ولبنان، أصبحت ترى بأن مشروع تفكيك حزب الله وإضعاف المعادلة اللبنانية قد راوح مكانه دون نتائج سياسية، اللهم سوى حصد المزيد من الدمار بحق المدنيين وممتلكاتهم.

وفرنسا التي تعتبر نفسها صاحبة الحق في امتلاك ناصية الساحة اللبنانية «من موقع تاريخي، ومن موقع الحنين الاستعماري » باتت ترى بدورها بأن الحرب راوحت مكانها، وبأن تعاظم ردود الفعل الدولية قد يؤدي إلى نتائج تقع على النقيض من ما ذهبت اليه. والعالم لم يعد يحتمل مزيداً من المآسي التي تعرض كل يوم على الشاشة الصغيرة.

وقد حفلت أرض لبنان بنتائج المذابح الإسرائيلية ضد المدنيين، وعليه فان الرئيس جاك شيراك ووزير خارجيته ضغطا بكل إمكانياتهما لاستصدار قرار فوري بشأن لبنان، آخذين بعين الاعتبار الملاحظات والتعديلات التي طالب بها الاجتماع الوزاري العربي الذي عقد في بيروت قبل سفر الوفد العربي الموحد الى نيويورك.

لكن القرار الدولي الأخير ذي الرقم (1701) بكل سلبياته، يبقى الخيار الممكن والمتاح في ظل وضع عربي متآكل ومتهالك، رسمياً، وشعبياً إلى حد ما. والإقرار به لا يعني البته بأن الأمور باتت على سكة الحل، فالحلول في النصوص الرئيسية للقرار حمالة أوجه.

وتحتمل المماطلة من قبل إسرائيل، إضافة إلى أن الاتجاه الرئيسي للسياسة الأميركية والإسرائيلية يقول بأن «مكافحة الإرهاب وممارسة الأعمال الدفاعية مهمة دائمة»، وعليه لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية على جبهة لبنان، بما في ذلك الغارات الجوية العنيفة، مع أن الموافقة الإسرائيلية على القرار الدولي قد تمت وأبلغت بها جميع الأطراف قبل وبعد صدور القرار، فعواصم صنع القرار كانت على تواصل مع القناة الإسرائيلية بشخص ايهود أولمرت قبل غيره.

بالرغم من أن الناطق باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي كان قد صرح قائلاً «ان مشروع القرار تم تغيير طبيعته اثر تدخل لبنان تحت ضغط حزب الله»، وأن «المباحثات اتخذت منحى مزايدات مثل تلك التي تتم عند بائع سجاد لبناني ونحن لن نسقط في هذ الفخ»، وأضاف ازاء فشل الخيار الدبلوماسي حاليا ليس أمامنا من خيار سوى اعتماد الخيار العسكري .

مؤكدا ان رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت كان أعطى أوامره للجيش بالاستعداد لشن هجوم بري في جنوب لبنان. وقبله كان متحدث عسكري إسرائيلي، أشار إلى انه في حال تم تبني مشروع القرار فان «العملية العسكرية يمكن وقفها أو الاستمرار بها في اي لحظة ».

أما ايجابيات القرار الدولي الأخير، فتتمثل أولاً في الدعوة لوقف إطلاق النار (وقف الأعمال الحربية)، وفي الانعطاف الدولي في الحديث عن حزب الله ثانياً، فقد كرس حزب الله اللبناني نفسه داخل أروقة الأمم المتحدة، باعتباره حزباً لبنانياً شرعياً ومقاوماً، خلافاً للموقفين الأميركي والإسرائيلي اللذين ملأ الدنيا بالحديث عن إرهاب حزب الله و(حركتي حماس والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية وكتائب شهداء الأقصى) وتصويره باعتباره «بعبعاً» وقوة أصولية ارتدادية في عصر أخر تعيشه البشرية.

فالدور اللبناني الرسمي، وتفويت الفرصة على اللعب الخارجي بالمعادلة اللبنانية ساهم إلى حد كبير بكسر المراهنات التي نظّرت إلى إمكانية تهاوي المعادلة الداخلية وانفلات الوضع الداخلي في لبنان. فقد تماسك اللبنانيون في اللحظات الحرجة بكل أطيافهم ومشاربهم بالرغم من هول العدوان واستهدافه كل أرض لبنان، والجرائم التي ارتكبت على يد الاحتلال وهي الجرائم التي فاقت كل تصور.

لقد قاربت مرحلة الحرب الأولى على لبنان من الانتهاء، وتنتظرها مرحلة ثانية قد تكون أشد صعوبة، وأقسى ضراوة، باعتبارها مرحلة الحصاد السياسي لكل طرف، وعليها تتوقف جملة من الممارسات الحكيمة التي تنتظر قوى المقاومة وتحديداً حزب الله، في مواصلة الأداء السياسي بالطريقة ذاتها من الأداء العسكري الناجح في ميدان المقاومة المباشرة.

فالنتائج التالية تتوقف على الأداء السياسي الناجح داخل لبنان وفي محيط التجاذبات ولعبة الشد والاسترخاء في الساحتين الإقليمية والدولية، وكما يقولون فان « الشياطين تكمن في التفاصيل» والتفاصيل طويلة، وقد تطول معها المعركة السياسية إلى أمد مفتوح.

إن رهانات إسرائيل والولايات المتحدة بتطويع الحالة اللبنانية بقوة البارود والنار، وإبعاد حزب الله تنظيمياً وعسكرياً إلى ما وراء نهر الليطاني، واقتلاع أسنانه، وتخليصه من عوامل القوة، تهاوت وسقطت، ولم يعد ممكناً أن يتحدث أي كان عن جدوى الرهانات إياها. فحزب الله غدا أمام العالم بأسره حزباً لبنانياً مقاوماً وأصيلاً في الحياة السياسية والمجتمعية والبرلمانية اللبنانية. وفي ظل الخطاب التوحيدي للحزب ولرئاسة الجمهورية وغالبية القوى السياسية اللبنانية.

شكل الشعب اللبناني الحاضنة التي رعت الحزب والمقاومة، واستطاع اللبنانيون تجاوز محنتهم في مراحلها الصعبة، محافظين على وحدتهم الوطنية الداخلية في مواجهة الأعاصير الخارجية. وفي هذا السياق، جاءت الخطوة الحكيمة لحزب الله النابعة من مرونة الأقوياء، بقبول قرار مجلس الأمن بالرغم من إجحافه، والنزول عند منطق ما تقبل به الدولة والحكومة في لبنان.

ان لبنان أصعب من أن يكون لقمة سائغة بفم الاحتلال، فالصمود على الأرض يعطيه المدى المفتوح في المناورة السياسية لاستثمار ما زرعه بالدماء والدموع والضحايا، حيث استطاع أن يتجاوز محنته الصعبة، واحداً موحداً بين كل ألوان الخارطة الفكرية والسياسية في البلد، وبفضل السياسة الوحدوية العاقلة في الساحة اللبنانية الداخلية، والخط الواقعي الذي اشتقه حزب الله والمقاومة الإسلامية، فاستطاع أن يعبر صعوبات المرحلة وآلامها محافظاً على عنصر الوحدة الوطنية الداخلية، بعد أن كانت حكومة أيهود أولمرت قد راهنت على تفكيكها، وتحطيمها بشكل تلقائي في الأيام الأولى من الحرب العدوانية على لبنان.

وفق هذا المنظور، نتوقع مرحلة صعبة من التداعيات السياسية التي ستتخللها بالضرورة أشكال من التداعيات العسكرية الموضعية في سياق اللعبة السياسية المقبلة، وهي لعبة إقليمية بالدرجة الأولى، وليست بعيدة بتأثيراتها عن فلسطين وسوريا بشكل رئيسي. فبارومتر التفاعلات السياسية يهتز بين لبنان وفلسطين كحركة النواس الثقلى المعلق، والمعقدة بين أقصى نقطتين، حاملاً معه عطالة الكتلة وممانعة الثقالة الأرضية، وعناد الانفلات من جاذبية المغناطيس الأرضي.

كاتب فلسطيني ـ دمشق