مع الساعات والأيام الأولى لوقف العمليات الحربية، فور نهاية المعركة وليس الحرب بين الجيش الصهيوني وحزب الله، اندلعت المساجلات السياسية والإعلامية التي أعقبت سكوت المدافع بعد الحرب العدوانية على لبنان، بل والتي سبقت هذه الحرب، والتي علت أحياناً وصمتت غالباً خلال أيام الحرب بعدما فوجئ الجميع، باقتدار وصمود وأداء رجال حزب الله، وخذلان وتهاوي أسطورة الجيش الذي لا يقهر.

في هذه المعركة السياسية والإعلامية التي اندلعت بينما الحرب السياسية والعسكرية لم تنته بعد، بدت الصورة بأضلاعها الأربعة، ودارت المعركة بأطرافها الأربعة، بين دعاة السلام وبين دعاة الحرب، وبين دعاة المشروع الأميركي الإسرائيلي وبين دعاة المشروع الإيراني السوري في الشرق الأوسط.

دعاة ما يسمى بالسلام كانوا قد فقدوا كل أوراقهم من قبل الإعلان عن موت عملية السلام بقرار من وزراء الخارجية العرب عبر إعلان واضح من الأمين العام في القاهرة، وحتى قبل العدوان على لبنان تنفيذا للمشروع الصهيوني الأميركي على الشرق العربي والإسلامي.

بينما كان استمرار الاحتلال والعدوان على فلسطين والعراق، والانحياز الأميركي الغبي والظالم لإسرائيل، والتقاعس الأميركي المتعمد لتجميد ما يسمى بعملية السلام، ليزيد من أوراق دعاة الحرب والمقاومة لرد العدوان بالعدوان وتحرير الأرض المحتلة بالقوة.

وبالتالي تبدو أميركا وإسرائيل ومن تبعهما بغير إحسان في النظم الرسمية ممن يسمون دعاة السلام في المنطقة هم المسؤولون عن موت عملية السلام، وهم أيضاً الداعون، باستمرار الاحتلال ومواصلة العدوان على الشعب العربي في فلسطين والعراق، إلى تعاظم معسكر الداعين إلى مقابلة القوة بالقوة، والعدوان بالعدوان من دعاة حرب التحرير الشعبية التي تمثلها فصائل المقاومة الشعبية العربية في فلسطين والعراق ولبنان.

في هذا المحور الأول بين السلام والحرب.. ومع رفض خيار الحرب، ومع بقاء السلام هو الخيار الإستراتيجي الوحيد للنظام العربي مع انتهاء حرب رمضان المجيدة عام 1973 وحتى اليوم، لم يتحقق السلام، ولم تتحرر الأرض التي احتلتها إسرائيل بدعم أمريكي بالقوة، بل على العكس زاد شراسة الحلف الصهيوني باحتلال العراق، وتصعيد العدوان في فلسطين.. وبقيت قوات الاحتلال في المحور الأميركي تحتل الأرض العربية في الجولان السورية وشبعا اللبنانية والعراق العربي.

بينما بادرت الشعوب العربية لإفراز طلائعها المقاومة بالقوة في مواجهة الاحتلال بالقوة بعد أن ثبت لها باليقين أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن ما تم احتلاله بالحرب لم تستطع القرارات الدولية ولا ما يسمى بالشرعية الدولية ولا المفاوضات أو المبادرات أو الاتفاقات الرسمية إعادته إلى أصحابه الشرعيين.

وهكذا مع فشل خيار السلام وغياب خيار الحرب ولدت المقاومة الشعبية العربية على اختلاف توجهاتها الإيديولوجية والمذهبية، وتوزعت على الفصائل المختلفة لكنها مع اختلافاتها الفكرية اتفقت جميعها على هدف تحرير الأرض العربية المحتلة والنضال لإحباط المشروع الصهيوني الأميركي الإسرائيلي في المنطقة.

وفي مواجهة هذا المشروع تآكلت عملية السلام، وتصاعدت إرادة المقاومة، وتنامت تحالفات القوى العربية الإسلامية المناهضة للاحتلال وللعدوان ولمشروع «الشرق الأوسط الجديد» الإسرائيلي و«الكبير» الأميركي، كرد فعل طبيعي للفعل العدواني التوسعي المحتل للأرض.

ستبدو الصورة في المواجهة تحالف مقاوم يضم قوى المقاومة الإسلامية بعد سكون مشاريع السلام العربية تمثلت في حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني بدعم واضح من إيران الإسلامية وسوريا العربية، ليرى المراقبون الشرق في صورته النهائية يشهد صراعاً بين قوى الاحتلال والعدوان وقوى التحرير والمقاومة، وبين المحور الأميركي الإسرائيلي وأتباعه وبين المحور الإيراني السوري وحلفائه ومن فصائل المقاومة.

mamdoh77t@hotmail.com