مهمتنا في العراق، التي هي على شاكلة مهام دونكيشوت في محاربته طواحين الهواء، لا تسير بشكل جيد. الواقع يشير إلى أن ما قمنا به في العراق ينطبق عليه الوصف العسكري «فوضى من الألف إلى الياء».

وللحصول على تفاصيل كاملة عن كيفية حصول هذه الفوضى، يمكن قراءة ما كتبته عن الحرب على امتداد السنوات الثلاث الماضية تقريبا، أو يمكن كذلك شراء كتاب توماس ريك الجديد بعنوان: «الفشل الذريع للمغامرة العسكرية الأميركية في العراق».

إن الحاكم بأمره في الولايات المتحدة ونائبه ووزير دفاعه يواصلون بشكل منتظم تجاهل حقيقة الوضع ويؤمنون بنصيحة مفادها أن السبيل الوحيد لتحقيق النصر وتأسيس الديمقراطية في قلب الشرق الأوسط هو المحافظة على الوضع الحالي.

هذا التفكير يُصعّب من مهمة العالمين ببواطن الأمور في محاولتهم القيام بأي تغيير للأفضل كما أنه يجعل من الصعوبة بمكان أن يفهم الناس ما هو صحيح وما هو غير صحيح، وما إذا كانت الإدارة أصلا تهتم بما يجري. لكن ما هو الذي استجد على الساحة العراقية أخيرا؟

لقد شنت قوة أميركية عراقية غارة ليلية على مسلحين شيعة اُشتبه في قيامهم باختطاف وتعذيب وقتل مجموعة من السُنة في بغداد وذلك في إطار بداية أحدث المحاولات الرامية إلى السيطرة على بغداد، وسارع رئيس وزراء الحكومة العراقية الجديدة بإدانة الواقعة.

امتلأت الشوارع في بغداد بألوف من حلفائنا الشيعة تأييدا لحزب الله وما يقوم به في لبنان. واعترف المسؤولون العراقيون بأمر كان معلوما منذ قيام القوات الأميركية بإسقاط حكومة صدام حسين منذ ثلاثة أعوام ونصف العام، ألا وهو أن إيران لديها قوات حرس ثوري ووحدات عسكرية أخرى وعملاء عسكريون سريون يعملون في العراق.

وبدأ مسؤولون عراقيون في القول إنه قد يكون أصبح الأمر ضروريا أن يتم تقسيم البلاد إلى ثلاث دول منفصلة: دولة كردية تمتلك حقول النفط والأنهار في الشمال ودولة شيعية تُعرف باسم «شيعستان» تتحالف مع إيران في الجنوب، بكل ما يحتويه من آبار نفط، ودولة سنية في شمال وغرب بغداد. أما العاصمة فيتم تقسيمها إلى بغداد الشيعية الشرقية وبغداد السنية الغربية.

إن المشكلات التي ستترتب على هذا التقسيم لا نهاية لها، بداية من كيفية قيام الدولة السنية بالعيش من دون موارد وهل سترضى الدول السنية المجاورة بمثل هذا التقسيم أم إنها سترسل مزيدا من الدعم لإخوانهم المسلحين من السنة؟

وفي الوقت نفسه فإن الحرب الأهلية أو العنف الطائفي، إذا كان القارئ لا يريد الاعتراف بالحقيقة، مازالت تحصد مئات الأرواح في كل يوم يمر وذلك في الوقت الذي يقوم فيه أصحاب الأعمال التفجيرية المجانين من الجانبين باستهداف الأعراس والجنازات والأسواق ويختطفون الأبرياء من الشوارع ومن المحال ويعذبونهم باستخدام الأسلاك الكهربائية قبل قطع رقابهم.

أما على الساحة الداخلية الأميركية فإن قوات المارينز والجيش قد أُخبروا بأنهم في طريقهم إلى العودة للعراق لأداء الخدمة الرابعة أو الثالثة وأُعلم أكثر من 3500 جندي من العاملين في العراق والذين كانوا يستعدون للعودة إلى وطنهم بعد عام من الخدمة المريرة في الموصل بأنه جرى تمديد فترة خدمتهم لمدة أربعة أشهر إضافية من أجل تأمين الستة ملايين عراقي الموجودين في بغداد.

وقد صدر تقرير علمي حديث عن الوضع في العراق يفيد أن الحرب قد تسببت في حالة من الانقسام داخل أوساط الشعب الأميركي تفوق في حدتها حالة الانقسام التي أحدثتها حرب فيتنام؛ فهناك المتطرفون الذين يصدقون كل ما يقال لهم من قبل الإدارة الأميركية حتى عن تلك الأشياء التي ثبت عدم صحتها مثل أسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها صدام والتهديد النووي الذي كان يمثله، في حين أن المعارضة تتملكها غضبة مُستترة ضد بوش وأصدقائه.

حسنا، ماذا نحن فاعلون أمام هذا الموقف الفوضوي؟ المتحذلقون يقولون إننا أمام ثلاثة خيارات:

ـ الاستمرار على الوضع الحالي مع الرئيس وفرقة المرح التي يقودها.

ـ الانسحاب من العراق.

ـ إرسال 150 ألف جندي إضافي من أجل تدعيم ال130 ألف جندي الموجودين بالفعل في العراق الآن والعمل بشكل أكثر جدية على تأمين المكان وإرسال 50 مليار دولار أو ما يقارب ذلك من أجل إتمام عمليات إعادة الإعمار التي أضعنا عليها بالفعل نحو 18 مليار دولار من أموالنا ومليارات الدولارات من إيرادات النفط العراقي.

إذا كنت أيها القارئ لا تجد أياً من تلك الحلول مرضياً فأنت لست وحدك في هذا التفكير. إن البدائل والنتيجة الواضحة محبطة للآمال بشكل كبير لدرجة أنها تجعل المرء يتساءل عما إذا كان نائب الرئيس ديك تشيني له أسهم في شركات الأدوية.

لا، إن هذا الأمر من المحتمل أن ينطبق أكثر على دونالد رامسفيلد.

وفي الوقت نفسه فإن معدلات القتل بين القوات العراقية والأميركية مستمرة في التزايد يوما بعد يوم وسيستمر الوضع هكذا حتى يستيقظ أحدهم في واشنطن ويأمر بتغيير الوضع الراهن.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص بـ «البيان»