قامت الدولة العربية في معظم حالاتها معتمدة على البعد القبلي أو الطائفي أو الجهوي وجرى توظيف هذه الظواهر لتكون المبرر والقاعدة التي تستند عليها هذه المؤسسة الجديدة ولم يكن الفرد العربي على معرفة سابقة بمثل هذه المؤسسة وما تمثله من رموز ومعان وما تفرضه من قيود على الحركة والانتماء فالدولة ليست مجرد جهاز إداري يدير شؤون جماعة من الناس، بل يلزمها مبررات تاريخية واجتماعية -ثقافية من منظور المفهوم القومي الذي برر ظهور الدولة الوطنية في الغرب.
ولعل فقدان هذه المبررات هو الذي جعل الدولة القطرية العربية سببا من أسباب أزمة هوية الفرد، لأنها جاءت بعدد من المفاهيم وحاولت ان توجد جملة من الوقائع فكان نتيجة ذلك نوع من التناقض بين الهوية التي سعت هذه الدولة لبنائها وبين الفكرة التي لدى الفرد عن هويته ومن هنا تأزمت العلاقة بين الطرفين على صعيد الانتماء والولاء.
لقد نشأت هذه الدولة في معظم الحالات نتيجة لضم الأراضي والجماعات في الحدود التي لا تتعارض مع مخططات ومشاريع التقسيم التي وضعتها القوى الاستعمارية، ثم قامت بمحاولة تأطير هذه الجماعات وإعادة تأهيلها وطنيا حسب مفهوم هذه المؤسسة الجديدة وذلك لايجاد نوع من الانتماء والولاء ولكن الذي بدا مفقودا منذ البداية بالنسبة إلى هذه الدولة، هو تلك الروح الجماعية والإحساس بالانتماء إلى هذه الرقعة التي أصبحت مرفوعة العلم مرسومة الحدود ومحددة المنافذ فالفرد لم يستطع - على ما يبدو - فهم مؤسسة الدولة وإقناع نفسه بها ولعل ذلك يرجع لعدة أسباب منها:
1ـ بدت مؤسسة هذه الدولة بالنسبة للفرد العربي اكبر من مؤسسة القبيلة أو الطائفة، فما تضمه تحت نفوذها من فضاء جغرافي يمتد إلى أكثر من منطقة وما تسيطر عليه من كم بشري متمثل في عدة قبائل وجهات وترتب على ذلك في بعض الأحيان انقسام القبيلة أو الطائفة بين دولتين أو أكثر وبالتالي فان جزءا من الجماعة التي يدين لها الفرد بالولاء اليومي المباشر، أصبح يقع في فضاء جغرافي لا يحق اجتيازه لأنه صار أجنبياً عنه وبالتالي يسمى أبناء عمومته أجانب بحكم مفهوم الوطنية الجديدة التي لم تنتجها تطورات ارثه الاجتماعي والسياسي ولم يختره كمحدد للعلاقة بينه وبين جاره.
2ـ تحكمت هذه الدولة في عامل الانتقال والتواصل وهو العامل الذي دعم في السابق التجانس الثقافي بين أجزاء المنطقة وكان خلف التماثل في النسيج الاجتماعي، فكان هذا التحكم بمثابة تدخل قسرى اثر في التوازن النفسي والاجتماعي للأفراد.
3ـ بدت مؤسسة الدولة بالنسبة للفرد العربي متناقضة مع الأمة، فالتطور الاجتماعي وطبيعة التضاريس الجغرافية في المنطقة العربية سمحت بنوعين من الانتماء، الأول هو انتماء الفرد إلى الرابطة الاجتماعية القريبة كالقبيلة أو الطائفة أو الجهة والثاني هو الانتماء العقيدي أو الثقافي أي الانتماء إلى الأمة في بعدها الديني أو الثقافي العربي.
4ـ أتت هذه الدولة بمفاهيم مثل السيادة والوطنية وهي بالنسبة للفرد مفاهيم لا يمكن تبريرها حسب منطق واقعه وخبرته اليومية، فالسيادة تعني ضمن ما تعني حدودا ثابتة في وجه الحركة والانتقال بينما بالنسبة إليه لا توجد سوى حدود ارض القبيلة والتي لا تحمل تلك المفاهيم التي جاءت بها مؤسسة الدولة فهو على الأغلب لم يعرف سوى ظاهرة السلطة المتمثلة في صاحب نفوذ يحمل صفة أمير أو وال وليس لهذا النفوذ النسبي من حدود على الأرض سوى تلك النقطة التي يصطدم فيها بنفوذ آخر لا يقدر على غلبة صاحبه وهذا النوع من الحدود كان بالنسبة للفرد مجرد علامات تبين التفاوت في القدرات بين أشخاص أقوياء.
ولكنها لا ترسم فوارق ثقافية أو حضارية أو دينية يصعب اجتيازها، ولذلك ظل العربي في السابق ينتقل عبر هذا الفضاء الواحد ثقافيا وحضاريا من منطقة صاحب نفوذ إلى منطقة صاحب نفوذ آخر دون ان يحس بغربة حقيقية أو يبدل من ولائه العُصْبويّ أو من ولائه للأمة إلى ان جاءت الدولة الوطنية فكانت بمثابة ظاهرة غريبة تتحداه بما تمثله من جهاز منظم يقيد حركته ويحدد له نوعا من الولاء اسمه الوطنية لا يجد لها تبريرا في الانتماء القبلي أو الطائفي أو الجهوي ولا في الانتماء إلى الأمة.
5ـ رغم ان استقلال هذه الدولة كان في اغلب الأحيان النتيجة المنطقية لنضال هذا الفرد ضد الاستعمار إلا ان سبب تصديه للغازي الأجنبي لم يكن بدافع الذود عن قطعة ارض بعينها بل للدفاع عن شخصيته المختلفة دينيا وثقافيا عن هذا الآخر الذي يريد ان يفرض عليه مشيئته، أما انتماؤه إلى الأرض.
فيتحدد داخل دائرتين الأولى تتمثل في ارض القبيلة أو المحلة أو الجهة وهو يذود عنها في مواجهة التجاوزات من قبل أبناء القبيلة أو الجهة الأخرى، أما الدائرة الثانية فتتحدد ثقافيا وحضاريا ودينيا أي انه لا يحس بأنه أجنبي عن الأرض التي يسير عليها طالما تجمع بينه وبين الجماعة التي تقطنها هذه المشتركات وهو معني بالدفاع عنها اذا ما تعرضت لخطر الغزو من قبل الآخر المختلف عنه ثقافيا ودينيا.
وهذا ما يمكن تسميته بمعيار الحس القومي لديه، ولاشك ان هذا الحس يتجاوز معنى الوطنية التي أرادت الدولة الوطنية ان تقيده بها تمثلا بالدولة الوطنية في الغرب التي تأخذ بمعياري الحدود والأجنبي لتحديد معنى المواطنة ولذا فان هذه الوطنية ـ كما سنرى ـ أدت إلى تأزيم هوية هذا الفرد على صعيد الانتماء والتماهي.
كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي