عندما يتبادر إلى ذهن الإنسان محاولة التفكير بالخطر الحقيقي في هذا الزمن المعاصر الصاخب بالتغيرات والتطورات على جميع الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإنه من المرجح أن عقله سيصور له أن القضية النووية بكل أبعادها في أي دولة في العالم هي الخطر. وهو أمر يستحق عناء التفكير.
هذا قد يكون صحيحاً فالخطر النووي قد يؤدي إلى هلاك الإنسان. أو قد يقول العقل إن الخطر المحدق هو الإرهاب مثلاً أو من الممكن أن يكون الخطر متمثلاً في التلوث البيئي أو قد تكون ظاهرةً اجتماعية تؤثر سلبياً في المجتمع أو قد يكون أي شيء آخر.
لكن الإنسان لم يعط خطر الفقر الأهمية التي أولاها للأخطار الأخرى المحيطة به. فملف الفقر العالمي اليوم امتلأ بالأوراق والصور المأساوية للإنسان الذي يعيش في ظل الفقر والجوع، وقد تفاقمت المشاهد المأساوية لتدهور الإنسان تحت ظل الفقر حتى خرجت قضية الفقر من نطاق القضية الدولية إلى حيز القضية العالمية.
ومن الأهمية بمكان أن نبين الفرق بين القضية الدولية والقضية العالمية حتى لا نقع في الغموض وعدم الفهم فالقضية الدولية هي تلك الإشكالية التي تعاني منها دولتان أو أكثر، أما القضية العالمية فهي تلك الإشكالية التي يصل تأثير مداها على معظم البشر على هذه الكرة الأرضية، فمن خلال هذا التأثير الواسع جاءت تسميتها بالقضية العالمية مثل: البيئة والتنمية.
عندما يقرأ أحد أو يسمع كلمة فقر فإن أول ما يتبادر إلى مخيلته هو إفريقيا وهذا صحيح فالقارة الإفريقية وحدها تشتمل على 33 دولة من أصل 48 دولة تعتبر الأقل نمواً على الصعيد العالمي. كما أن معظم سكان القارة السمراء والذي قد يصل عددهم إلى 300 مليون نسمة تقريباً من إجمالي سكان إفريقيا كاملةً 700 مليون هم أفراد يعيشون على أقل من دولار في اليوم الواحد أي تحت خط الفقر.
أضف إلى ذلك ملف إفريقيا الاقتصادي الذي يزخر بكثير من المشاكل والعقبات التي تحمل في طياتها عناوين الفقر والتخلف وانتشار الأمراض.
فالبعض لا يولي اهتماماً للذين يعانون من الفقر في كثير من بلدان العالم وذلك كون الفقر المحدق بعيداً عنه كل البعد فلا خوف ولا قلق منه. لكن الحقيقة أن خطر الفقر لا يقل خطورةً عن الخطر النووي أو خطر الإرهاب أو أي خطر قد يؤدي إلى نهاية البشر فالفقر مثل غيره من الأخطار يفتك بالبشر.
لكن ما الذي يساعد على نمو الفقر وبقائه في المجتمعات البشرية؟ في الحقيقة لا يختصر جواب هذا السؤال إلا من خلال هذه المقولة «لا دخان بلا نار» فعلى سبيل المثال لا الحصر انتشار الحروب والصراعات الأهلية وعدم وجود الاستقرار السياسي وانتشار الفساد على الصعيد السياسي والاقتصادي ووجود سياسيات اقتصادية تتسم بالتمييز ضد الفقراء... وغيرها الكثير ما هي إلا عوامل تساعد على ظهور وتفشي الفقر وتساعد على ديمومته في المجتمع.
إذاً لا بد لكل إنسان أن يشعر بمسؤوليته الإنسانية تجاه فتك الفقر بالإنسان في مختلف مناطق العالم. وهذا بالطبع يتطلب ضرورة عقد العزم على مكافحته بشتى الطرق والسبل الممكنة والأخذ بيد الدول التي تعاني منه للتخفيف من حدته. وهذا قد يتحقق بالنمو الاقتصادي للبلدان التي تعاني من ويلات الفقر أو من خلال صياغة سياسات عامة توجه نحو قضايا متنوعة مثل: الزراعة والغذاء ... والتي قد تخفف من معاناة الفقر والجوع الذي يعانيها الإنسان.
لكن ما هو الفقر؟ يختلف مفهوم الفقر من مفكر إلى آخر وذلك يعود بالطبع إلى تباين الخلفيات الفكرية والثقافية والأخلاقية ناهيك عن اختلاف المجتمعات والفترات التاريخية التي عانت من آفة الفقر والجوع. وعليه لا بد لنا أن نأخذ بعين الاعتبار أن مفهوم الفقر هو مفهوم نسبي. فالبعض يعرف الفقر على «أنه الحالة الاقتصادية التي يفتقر فيها الفرد إلى الدخل الكافي للحصول على المستويات الدنيا من الرعاية الصحية والغذاء والملبس والتعليم وكل ما يُعد من الاحتياجات الضرورية لتأمين مستوى لائق في الحياة».
وبالرغم من اختلاف التعاريف والمفاهيم التي تحاول وصف وتفسير ظاهرة الفقر في العالم إلا أنها اتفقت في مضامينها على أن الفقر آفة تفتك بالبشر ويجب بالضرورة مكافحتها وتخليص الإنسان في أي بقعةٍ كانت على الأرض من قيودها وأغلالها.
ففي عام 1977 قدم تقرير تنمية الإنسان الصادر عن منظمة الأمم المتحدة مقياساً للفقر الإنساني وقد سمي هذا المقياس بـ «دليل الفقر الإنساني» وهذا الدليل قادر على قياس الفقر والحرمان الذي يعاني منه الإنسان ولأنه يرتكز على خمس خصائص وهي: الجهل، وسوء التغذية بين الأطفال، والوفاة المبكرة، وفقد الرعاية الصحية، وعدم القدرة على الوصول إلى المياه الآمنة.
لقد بات شبح الفقر اليوم يلقي بظلال الموت على بني البشر في معظم أرجاء العالم ويشكل لهم تهديداً حقيقياً لبقائهم على قيد الحياة، وهذا أمرٌ يجب عدم القبول به في قرن التقدم العلمي القرن الواحد والعشرين، وبالإضافة إلى ذلك تصاحب معاناة الفقراء اليومية بعض الآفات الاجتماعية التي يسببها الفقر.
فمثلاً يعاني الفقراء من توارث عبودية الأجيال والتي يقصد بها أن أطفال الفقراء في كثير من الدول يتحملون ثقل الديون والفقر الذي عانت منه أسرهم فبالتالي نتيجة لقسوة الحياة يتجه الأطفال إلى سوق العمل لتوفير احتياجات أسرهم بدلاً من الذهاب إلى المدرسة للتعلم. إضافةً إلى ارتفاع مستوى الأجور وارتفاع مستوى البطالة وغيرها الكثير من آفات الفقر والتي تجد في المجتمعات الفقيرة تربة خصبة للنمو.
أذكر أنه قبل عدة سنوات عقد اجتماع قمة الدول الثماني الكبرى (G8) والتي اجتمعت في اسكتلندا، وضمت الدول الثماني الصناعية الكبرى وهي أميركا، ألمانيا، فرنسا، اليابان، ايطاليا، بريطانيا، كندا، وروسيا. والتي وضعت موضوع الفقر وقضية الاحتباس الحراري على قائمة جداولها للشروع في إيجاد حلول لمثل هذه القضايا المهمة.
نادت القمة في انعقادها آنذاك بشعار (فلنجعل الفقر تاريخاً Make Poverty History) وذلك سعياً من الدول المشاركة في القمة إلى مساعدة القارة الأفريقية من أجل وضع حد لمأساة الفقر فيها. وتعتبر هذه القمة نشاطاً من أنشطة الغرب على مستوى الدول ناهيك أيضاً عن أنشطة فردية ومدنية بادرت بها المنظمات التي تهتم بمسألة حقوق الإنسان.
لكن القمة التي كانت تتعلق بالفقر لاقت عدم الرضا من قبل فئة تسمى بـ «مناهضي العولمة» وهي جماعة تنبذ وتعارض الرأسمالية ولهم كذلك مواقف دفاعية عن قضايا البيئة وقضايا دول العالم الثالث. وقد جاءت معارضتهم للقمة احتجاجاً بدعوى أن كل الوعود والشعارات التي تنادي بها تلك الدول ما هي إلا أحلام وردية لن تساهم في التخفيف من حدة الفقر في إفريقيا.
وقد ترجم مناهضو العولمة احتجاجهم على الدول الرأسمالية المشاركة في القمة بتنظيم قمة بديلة حينها عقدت في إدنبرة ضمت فعاليات ونشاطات كثيرة منها أنه تم عقد ثماني جلسات و60 ورشة عمل وقد حضرها أكثر من 225 ألف شخص.
وفي سنة انعقاد قمة الدول الثماني المخصصة لقضية مكافحة الفقر لفت الانتباه إلى أن قضية الفقر العالمية لم تخطف أنظار رجال السياسة فقط، بل استطاعت أن تجذب أنظار أهل الموسيقى والفن الغربيين، فقد أقيمت حفلات موسيقية ضخمة عرفت بـ «Live 8» نظمت من قبل موسيقي الروك الإيرلندي بوب غيلدوف والتي بدأت في مدينة طوكيو وانتهت في لندن تعبيراً منه على أهمية مكافحة الفقر في العالم.
وللضغط من جهة أخرى على قادة الدول الثماني من أجل التحرك لمكافحة الفقر في أفريقيا. وقد حضر هذا الحدث السياسي الإنساني العالمي مئات الآلاف من الأشخاص على مستوى العالم تعبيراً عن ضرورة القضاء على الفقر.
وخلاصة القول إن قضية الفقر هي قضية عالمية بالغة الخطورة والأهمية على حدٍ سواء وتتطلب تحركاً دولياً في سبيل مكافحتها ومنع انتشارها كي لا تؤدي هذه الآفة إلى هلاك البشرية جمعاء.
قسم العلوم السياسية ـ جامعة الإمارات
ali_alahbabi@hotmail.com
