قد نتفق أو نختلف في تفسير الواقع، إلا أنه لا يمكننا أن نغيره، فالتاريخ تصنعه الوقائع وهي في هذا تصنع السياقات أو الفضاءات التي في إطارها يتشكل سلوك الناس ومزاجهم وتوقعاتهم، بل في إطاره تتشكل الأنساق الحاكمة للسلوك والتوقع. وقد تتباين مواقف الشعوب عن أنساقها الرسمية الحاكمة وقد تتشابه أو تتطابق، وفي هذا فنحن لا نسوق قانونا اجتماعيا عاما. ومع ذلك فإن هذا التطابق أو التشابه أو الاختلاف ما هو إلا انسلاخ أحدهم عن سياقه وفضائه الحاكم. وفهم السياق في إطاره التاريخي خطوة مهمة لفهم الآخر فهما صحيحا والقدرة على تأويله في أطر منهجية دقيقة.

لقد كتب الدبلوماسي البريطاني السابق والمحاضر بجامعة أكستر السير بارسونز عشية حرب تحرير الكويت في يناير من عام1991 مقالا مهما في جريدة الغارديان اللندنية أسماه «بالسيناريو المرعب». مفاده «ماذا لو فاجأ الرئيس العراقي السابق صدام حسين العالم بقرار للانسحاب من الكويت». وهو سيناريو أسماه بالمرعب لاعتقاده أن مثل هذا القرار سيمثل إطاحة لكل المشاهد الأميركية المبنية للصراع القائم حين ذاك، وهو مشهد خارج عن المألوف الثقافي العربي أو الشرقي بشكل عام ولا يمكن توقعه في إطار ما نعرفه أو نسميه في المنطقة العربية بالكرامة وأن «الشجاعة هي أن تثبت على موقفك ولو كان على خطأ»®®.

وبالمثل تخلي الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عن عرض قدم له من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق باراك حمله له الصحفي البريطاني المعروف والقريب من الرئيس الأسد باتريك سيل، في ذلك الوقت، ويقوم هذا العرض على انسحاب إسرائيلي كامل من الجولان باستثناء شريط ضيق يعطي إسرائيل منفذا لبحيرة طبرية السورية في إطار مسمى التخلي عن الثواب. ومهما اختلفنا في تفسير هذا السلوك والمواقف إلا أنها تبقى كمواقف متسقة مع الفضاء والسياق القائم المولد والصانع لها.

وبالمقابل كُتبت الكثير من المقالات في الصحف الرئيسية الأميركية وبعض الغربية ترى في الصراع الدائر بين العرب والغرب أو العرب وإسرائيل محطة مهمة في تأكيد سيادة ومركزية الذات الغربية في علاقتها بالآخر وهي ثقافة تقوم على أن التفوق على الآخر ودحره يتم عن طريق هزيمته من الداخل، أي خلق حالة من الانهيار الداخلي في الذات تستتبعه حالة من الخنوع وبالتالي الخضوع للآخر.

أو خلق حالة من الضعف واليأس الداخلي عن طريق الاستخدام المفرط والمدمر للقوة. وهي قوة وظفت بشكل مفرط في الكثير من المواقع في العالم وعلى مر التاريخ، وجاءت ببعض آكلها ولو بعد حين. أو كما يقول المؤرخ الأميركي فكتور هينسون «إنها ثقافة الفتك القائمة على منع الخصم قدر المستطاع من أن ينهض من أجل الجولة القادمة أو من أية جولات قادمة».

ويقدم النموذج الأميركي في صراعه مع ألمانيا الهتلرية وتدمير برلين بل لربما التعبير الأدق للوصف هو سحل برلين والذي يماثله سحل الولايات المتحدة الأميركية لمدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين وكذلك حالة التدمير الذي تعرضت له القرى والبلدات الفيتنامية أثناء حرب فيتنام في السبعينات، بالإضافة لواقع التدمير في الحالة العراقية في حرب تحرير الكويت وفي حرب إسقاط صدام حسين.أن كل ذلك نماذج تشير لطبيعة المكون الثقافي والأخلاقي للمؤسسة العسكرية الأميركية ولربما السياسية خصوصا في ظل حكم الحزب الجمهوري ونظرتها للحرب وضحاياها من المدنيين.

ففي حين أنها تبدو كما تقول كوندوليزا رايس أمرا طبيعيا في الحروب، فإن ذلك يبدو أمرا لا بد منه لتحقيق الأهداف العسكرية والسياسية للحرب والذي تمثل في القول الشهير لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيجن والذي وصف قتل المدنيين وتدمير المجتمع اللبناني في الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982 بقوله «ببساطة أنك لا تستطيع أن تصنع طبق الأوملت دون أن تكسر البيض». بمعنى أنك لكي تحقق أهدافك السياسية لابد لك من أن توظف قوتك العسكرية اللا متناهية المجردة من أي رادع أخلاقي أو ديني أو إنساني.

و يتفق التهديد الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر في مباحثاته الماراثونية قبل بدء حرب تحرير الكويت مع وزير الخارجية العراقية في ذلك الوقت طارق عزيز من أنها، أي الولايات المتحدة الأميركية سترجع العراق لمرحلة ما قبل المجتمع الصناعي، إذا ما رفضت عرض الانسحاب من الكويت مع التهديد الإسرائيلي للبنان من أنها سترجعه عشرين عاما للوراء إذا ما رفض حزب الله اطلاق صراح الجنود المختطفين، رغم اختلاف الأسباب والسياقات الزمنية والمكانية لكلاهما.

ويتكرر المشهد في الحالة الفيتنامية مع الحالة اللبنانية في أن فيتنام قبل دخول اتفاقية الانسحاب الأميركي حيز التنفيذ قد تعرضت لكم من القصف الأميركي الهائل يماثل بشكل أو آخر حجم الدمار الذي لحق بالأحياء والبلدات والقرى اللبنانية قبل أن تسكُت الآلة الحربية الإسرائيلية أفواهها، حتى مصانع الحلويات اللبنانية المشهورة «غندور» لم تسلم عشية الدخول في وقف إطلاق النار من القصف والتدمير. لقد كان فعل تدمير بل سحل جنين في الضفة الغربية على يد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قبل بضع سنوات إن هو إلا نموذج مصغر لما حصل في الحالة اللبنانية الآنية.

وفي حين ترى إسرائيل وكذا بعض الدوائر الأميركية التدمير ولربما السحل مدخلا مهما لإيقاع الهزيمة في الذات الداخلية للخصم يرى فيها الطرف المقاوم والمتضرر في الحالة العربية والإسلامية نوعا من البلاء الذي يتطلب قدرا من الصبر. إن هذا الاختلاف يبين ما يراه المسلمون والعرب من امتحان للصبر على الشدائد (وبشر الصابرين) إلى تمثل كل عمليات التدمير والقتل(البلاء) قمة القوة اللا متناهية القادرة على إلحاق الهزيمة بالآخر. إنها ثقافة الاختلاف في رؤية الموت: بين استقباله بالفرح والسعادة وتيمن بالشهادة وبين الخوف من الموت كنهاية للحياة، وكأن لسان حال الأول يقول «نحن عشاق الشهادة» ولسان حال الآخر يقول «نحن عشاق الحياة»®.

أن فعل القتل والتدمير لا يمكن فهمه فحسب على أنه انتقام أو ردة فعل لفعل أو عمل عسكري محدود أو قول أو ما شابه ذلك، أنه في واقع أمره إطار ثقافي حاكم للسلوك والتوقعات. بل أنه يبقى حاكما للصورة التي نشكلها للآخر في مخيلنا، وحينها فحسب نقرر منح ذلك الآخر حق الحياة أو الموت.. إنها وقائع تعيد محطات سابقة في التاريخ بإخراج ووتيرة جديدة، رغم تباهي البعض بحضاريته مقابل نعت الآخر بالبداوة أو الفاشية!!.

كاتب بحريني