سجل اجتماع وزراء الخارجية العرب أمس في القاهرة برئاسة الإمارات اختراقاً دبلوماسياً لجدار الخلافات المثارة ضمن تداعيات العدوان الإسرائيلي البربري على لبنان الشقيق، وأطلق جهوداً بناءة لتنقية الأجواء ، واحتواء آثار سلبية خلفتها تصريحات هنا أو هناك في غير عاصمة عربية.
تنقية الأجواء العربية ضرورة لإنجاح اجتماع وزراء الخارجية العرب، للتفرغ لمهمة إعادة بناء وتعمير لبنان وإزالة آثار العدوان الإسرائيلي الهمجي الذي رفع شعار إبادة الحجر والبشر، الأمر الذي دمر أكثر من 15 ألف منزل، و145 جسراً و«كوبري» علوياً، وآلاف المدارس والمستشفيات، وعشرات المرافئ والمنافذ الجوية والبحرية، والمصانع. إضافة بالطبع لمواجهته العدوان الإسرائيلي المفتوح ضد الشعب الفلسطيني.
يضاف إلى ذلك، أن تنقية الأجواء ضرورة استراتيجية في هذه المرحلة الخطيرة، المشحونة بتحديات ومشاريع وخطط أجنبية ليست أكثر من مؤامرات لتقطيع الجسد العربي، واختزال دوله القطرية القائمة بدويلات «كانتونات» تشعل حروب الطوائف وتغذي الأحقاد، وتهيل التراب على أي محاولة للنهوض أو الوحدة العربية حتى بين الدول القطرية الراهنة.
في هذا الإطار تفهم أهمية اللقاء الايجابي الذي جمع الأمين العام للجامعة عمرو موسى ووزيري خارجية مصر والسعودية وممثل سوريا، والاتفاق على تجاوز «سحابة» تصريحات الرئيس السوري عقب انتصار المقاومة، وهو ما يمهد إلى استعادة مفاعيل التشاور والتنسيق بين العواصم العربية الثلاث، والتي تشكل حجر الزاوية في قرار عربي سواء نحو السلام أو الحرب.
والشاهد في تاريخنا المعاصر انه لا حرب عربية مع العدو الصهيوني في غياب مصر ولا سلام دون سوريا، هذا باستثناءات نادرة لم تحقق عائدها السياسي رغم أسطورية أدائها العسكري مثلما هو الحال مع الصمود الذي أظهرته مقاومة حزب الله.
والحال هكذا، يصبح الاتفاق على الحد الأدنى من التنسيق العربي أمرا حيويا، لمواجهة التحديات التي تهدد الجميع بلا استثناء، لا فرق بين دولة مواجهة أو «طوق» أو دولة إسناد ودعم، فالجميع في دائرة الاستهداف عرب.
على أن هذه الخطوة لن تكتمل إلا بعقد قمة عربية شاملة أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية ترسي إطارا جديدا للتعاطي العربي مع مستجدات الواقع والتحديات الراهنة في مرحلة الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان، والتي لن تنتهي بالهدنة ، في ضوء تهديد جنرالات إسرائيل بجولة جديدة لاستكمال الأجندة والأهداف التي فشلوا في تحقيقها ولاستعادة هيبة الجيش الضائعة في جنوب لبنان، وللارتواء من دماء الشعب اللبناني الذي الحق العار بالجيش الذي لا يقهر.
يأتي في مقدمة التحديات التي تفرض علينا التحلي بأعلى قدر من اليقظة، عودة تل أبيب إلى نهج «التلاعب بالمسارات» في محاولة لشق الصف العربي المنقسم أصلا، ففي وقت تهدد بجولة حرب جديدة ضد لبنان تطرح إعلاميا تشكيل فريق استعدادا للتفاوض مع سوريا، وتلغي إلى حين الانسحاب من الضفة الغربية، وتبقي على الحصار لخنق غزة وتواصل عمليات الاختطاف والقرصنة ضد أعضاء البرلمان والحكومة الفلسطينية.
الخلاصة، أن استعادة التنسيق وتنقية الأجواء العربية هي الضمانة الأخيرة، بعد عديد الفرص التي أهدرت باتجاه تحقيق المصلحة العليا لأمتنا.