لن يستطيع أحد بعد اليوم أن يشكك في جدية الدولة وسعيها الدؤوب لإنجاز واستكمال ما بدأت به في إطار برنامج الإصلاح الشامل والذي يستهدف إرساء مصفوفة متكاملة من الإجراءات والتشريعات والقواعد التي تتكفل بصيانة المال العام وحمايته وسد كل الثغرات التي تتسرب منها مظاهر الفساد والإثراء غير المشروع.
إذ أنه وبصدور قانون الذمة المالية يتأكد تماماً أن برنامج الإصلاح الذي دشنته اليمن عام 1995م إنما كان نابعاً من إرادة وطنية وقناعة صادقةبحتمية وضرورة تحصين خطوات البناء الاقتصادية والتنموية ببرنامج مصاحب يعزز من قوة وفاعلية التوجهات المبذولة على صعيد ترسيخ مداميك الدولة الحديثة والارتقاء بأداء مؤسساتهاضمن فلسفة تجعلها أكثر استيعاباً لمجريات التطور ومواكبة لروح العصر في كافة النواحي.
ومن الثابت هنا أن الوصول إلى الإجراء الذي تم اتخاذه يوم أمس والمتمثل بصدور قانون الذمة المالية إنما جاء كثمرة من ثمار النجاحات المتوالية والتي تحققت على نطاق الإصلاحات المالية والإدارية والاقتصادية خلال السنوات الماضية، ومن أبرزها ما تم إحرازه في الجانب الاقتصادي وإعادة هيكلة الوظيفة العامة والإصلاح القضائي والتشريعي وهي خطوات كانت ضرورية لإكساب مسارات الإصلاح المفهوم العملي والمؤسسي وكذا المناعة التي تحول بينها وبين أية انتكاسة محتملة، كما حدث لبعض التجارب المشابهة.
ومع هذه الانتقالة تدخل عملية الإصلاح في بلادنا إلى حقل جديد.. سيكون له الوقع الإيجابي على المشهد العام للوظيفة العامة وطابع تأديتها ومحددات الارتباط بها حيث أنه وبمجرد سريان قانون الذمة المالية لن يكون هناك ما يدعو إلى الخشية من أي استغلال يمكن أن يترتب على أي موقع من مواقع المسؤولية.
باعتبار أن هذا القانون قد وفر صمامات الأمان التي يصعب على ضعفاء النفوس اختراقها وتجاوزها بدافع الإثراء غير المشروع عن طريق تسخير الوظيفة العامة لأهداف شخصية أو منفعة ذاتية.وعليه فإذا كان مثل هذا الإنجاز سيقطع الطريق أمام المزايدات التي ظلت تبني خطابها على ترديد مصطلح الفساد على نحو عمل البعض على استغلال هذا المصطلح لتصفية حسابات سياسية أو حزبية مع السلطة.
فإنه وبإصدار قانون الذمة المالية بات من المفروض أن تتخطى صيغ التعامل بين السلطة والمعارضة منطق تبادل الاتهامات. باعتبار أن مثل هذا القانون.. وإن كان قد قدم البرهان العملي على حرص الدولة وجهازها الحكومي على تجفيف منابع الفساد بل واجتثاثه من جذوره من خلال إيجاد التشريعات والإجراءات العقابية الصارمة التي لا تسمح بالتلاعب بالوظيفة العامة أو اتخاذها وسيلة للارتزاق.
فإن هذا القانون أيضاً يؤسس لعلاقات جديدة تنتفي منها أعراض التشكيك بنوايا هذا الطرف أو ذاك ليغدو التنافس بين الحكم والمعارضة منطلقاً من صدقية الالتزام بالمسؤوليات الوطنية. بحيث تمارس السلطة أو الحكومة واجباتها في تنفيذ البرامج التي حظيت بثقة الناخبين.في حين تقوم المعارضة بمراقبة عمل الحكومة ونقد أية أخطاء نقداً بناءً يكون الهدف من ورائه الرغبة في الإصلاح وليس الهدم أو المزايدة والكيد السياسي.
وبحيث يعمل الجميع على تقويم الخطأ من حيث هو خطأ وتصويب الاختلال من منظور يعكس تكاملية المهام بين السلطة والمعارضة وإدراكهما العميق للمهام الملقاة على عاتقهما تجاه الوطن وتقدمه والنهوض به، وتصبح مثل هذه المفردات التزاماً أخلاقياً بقيام الحكومة بالأخذ بالأساليب الناجعة للحد من أية مظاهر للفساد.
وهو ما ينبغي أن يقابل من المعارضة بحسن التقدير والتعاون البناء لتثبت بأن استخدامها لمصطلح الفساد لم يكن وراءه أي غرض انتهازي أو مصلحة ما، وإنما الوصول إلى أرضية مشتركة يتأسس عليها الفهم المتبادل للوسائل والسبل التي تساعد طرفي هذه المعادلة على الاضطلاع بدورهما كشريكين في تأمين متطلبات الحاضر والسير معاً لتهيئة المناخات التي تنتقل بشعبنا ووطننا إلى مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً.