الغباء السياسي يكلف أي دولة، مهما كان ميزانها القوي في العالم، الكثير من الخسائر، وأميركا التي نجحت في تقويض دولة عظمى، وتفتيتها، عجزت أن تنتصر على منظمات إرهابية، بل وتسببت في خلقها عندما بدأت بذورها تنبت في أفغانستان، وتنتشر على قارات العالم.
وبسبب هذه السياسة التي وضعت القوة العسكرية أداة الحسم، والتبشير بديموقراطية تقوم على فكر أمريكي، والاعتقاد الذي تلبس القادة الجدد بأنهم رسل، ودعاة تطهير العالم، وإعادة تركيبه، هم من جعل الدولة العظمى رمزاً للكراهية، رغم ما يتميز به الشعب الاميركي من صداقات شعوب العالم، وصدقه في التعامل المنطقي مع القواعد الإنسانية.
ليست مشكلة أميركا مع حزب الله الذي خلق اشكالاً جديداً لإسرائيل في الحرب الأخيرة، وليست مع إيران، أو الفلسطينيين حيث تجمع أميركا وإسرائيل على انهم عنصر إرهاب خطر على أمنها، وإنما العداء استمر مع كوريا الشمالية التي أصبحت مصدر تصدير صناعة الصواريخ، وتعد لاختبار سلاحها النووي في منطقة آسيوية بدأت تنافس أمريكا على مصادر القوة في المستقبل القريب.
وحتى الأصدقاء والحلفاء في أوروبا وآسيا، صاروا يخشون السياسة الأميركية المتهورة، لأن غزو العراق سوف يخلق مدارس جديدة تصدر إرهابيين بذكاء وفعل خاص، وحتى تمرد اليسار وعودته لأميركا الجنوبية، هو فاصل آخر في تحولات تسببت بها السياسة الأميركية، والمشكلة أنها لا تريد الاعتراف بأخطاء سياساتها وخاصة في المنطقة العربية، والعالم الإسلامي.
ففلسطين هي القضية والاشكالية التي لا يمكن الهروب من حقائقها، لأن الذين ولدوا بعد النكبة الأولى، هم من خاضوا الحرب الداعية للحلول السلمية، لكن ما حدث بعد 1967 ولّد أجيالاً مختلفة، ذهبوا لليسار فتضامنوا مع القوى الخفية في العالم من باورمانهوف الألمانية إلى الألوية الحمراء الايطالية، والجيش الاحمر الياباني.
والآن هناك عودة بقوى جديدة، ومع ان الفلسطينيين لم يثبت لهم أي نشاط مع القاعدة، أو أحزاب أخرى، إلا أن دوافع الواقع الذي يضغط عليهم من كل الجهات، ربما يجعلهم في حل من أي سلوك آخر، اذا ما وجدوا أنفسهم محاصرين من إسرائيل التي تمارس دعارة الموت معهم، أو أميركا التي لا تعبأ بالرأي العام العربي والإسلامي في تأييد هذا الفعل باعتباره دفاعاً عن النفس، وفق التخريجات السياسية الأميركية.
كثيراً ما خرج العرب من مشاريع أميركا بعدم الاكتراث، مثل طرح ما سمته بالشرق الاوسط الكبير، او إشاعة الديموقراطية لبلدان تكره اصلاً أي نوع من السلوك السياسي الأميركي، وحتى تكون قريبة من عقل المواطن، قبل صاحب السلطة، فإنها عجزت أن تعبر نفسية الغالبية الساخطة، بل إن تنامي الإرهاب في المستقبل البعيد، لا يمكن حله بطروحات غير قابلة للعمل، والتنفيذ، لأن ما يسود هو أن الحرب التي تجري ليست فقط سياسية وإنما هي حروب أديان وهويات، واختلاف أو اختلال ثقافات لا تلتقي على خط واحد..
وإذا كانت الطرق تتقطع فإن الاسباب التي جاءت بها تحتاج إلى علاج، وهو الأمر المستحيل في الرؤية الأميركية التي لا ترى الحق إلا في إسرائيل..