باعتراف الإسرائيليين أنفسهم فإن نصراً عسكرياً لم يتحقق في لبنان، وجاءت الخطوة الدبلوماسية الممثلة في قرار مجلس الأمن رقم 1701 مخرجاً لخروج الجنود الإسرائيليين من جحيم الجنوب اللبناني، الذي ظن الجنود الإسرائيليون في البداية أنه سيكون نزهة على ضفاف نهر الليطاني، فكانت المقاومة أشرس مما توقعوا، ورأينا كيف ترجم الإسرائيليون عجزهم عن مواجهة المقاومة إلى غارات تدمير وحشي على الأطفال والنساء ومجزرة قانا خير دليل.

رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي زعم في اجتماع مغلق مع قادة حزبه (كاديما) انه حقق نصراً مؤزراً على حزب الله، تجنب الإشارة إلى تحقيق أي نصر أمام الكنيست في العلن لأن الحقائق واضحة مثل الشمس، ولا يمكن إنكارها. كما أن رقصات الجنود الإسرائيليين العائدين فرحاً بالنجاة من الجحيم، عنوان آخر على ما لاقوه من أهوال أمام صمود رجال المقاومة اللبنانية الذين اثبتوا أن الإرادة أقوى من أي سلاح.

شنت إسرائيل عدوانها الهمجي على لبنان لتحقيق أكثر من هدف، ومن بين تلك الأهداف نزع سلاح حزب الله واستعادة الجنديين الأسيرين من دون شروط، فهل تحقق لها أي من هذين الهدفين؟ بالقطع لا فسلاح المقاومة لا يزال في أيدي الرجال الذين يقدرون قيمته، أما بالنسبة للجنديين فقد تراجعت إسرائيل وقبلت بالتفاوض من اجل أعادتهما مقابل الإفراج عن الأسرى اللبنانيين والعرب في السجون الإسرائيلية، وتلك اكبر صفعة تتلقاها تل أبيب.

لقد ظل الجنود الإسرائيليون34 يوماً يتخبطون في جنوب لبنان علهم يحققون أياً من الأهداف التي قادتهم إلى تلك الحرب العدوانية، فلم يفلحوا، ورأينا كيف تعالت الأصوات بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها لمحاسبة أولمرت وقادة جيشه على الفشل الذي جنوه من مغامرتهم التي كلفت إسرائيل الكثير من دون أن تحقق ما كان قادتها يتبجحون بالسعي إلى إنجازه، رغم الانحياز الأميركي السافر، ومناورات واشنطن لمنحهم المزيد من الوقت عل شيئاً يتحقق!.

وإزاء هذه الصورة يصبح الجدل حول من هزم ومن انتصر هدراً للوقت، فالمقاومة اللبنانية التابعة لحزب الله، أثبتت بجلاء أنها جديرة بالفخر الذي أنجزته على نحو 30 ألف جندي إسرائيلي هرولوا للانسحاب مع أول ضوء لإعلان وقف العمليات الحربية، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي فيما بقي رجال حزب الله فوق مواقعه، مدافعين عن أرضهم وشرفهم، في ملحمة، تعطي كل عربي الأمل في الغد الآتي رغم السنوات العجاف التي سعى خلالها البعض إلى وأد كل حس مقاوم، ودمغ أصحابه بالمغامرة غير محسوبة الجوانب.

انتصر رجال حزب الله، وانتصر كل الشرفاء الذين آزروه وقت المحنة، وخسر الذين راهنوا على العدو في كسر إرادة المقاومة لدى الشعوب التواقة إلى العدل والحرية. انتصرت أمهات أطفال النزوح اللاتي أطلقن عليهم أسماء رعد ووعد وصامد، وانتصرت النساء اللاتي سارعن مع آلاف العائدين إلى بيوتهن عند الساعات الأول لوقف العدوان من اجل أن يسقين زهورهن في الشرفات التي انتظرت عودتهن إليها. انتصر الأطفال الذين تكدسوا في الشاحنات من اجل العودة إلى أراجيحهم في البيوت التي دمرتها آلة الحقد الصهيونية.

معادلة النصر والهزيمة لا تقاس بكم دبابة دمرت أو عدد البيوت التي هدمت، بل هي حسبة أكثر تعقيداً، وإن كانت في جوهرها أشد بساطة، فقد انتصر أصحاب الحق، الذين ثبتوا على أرضهم، وانهزم الذين جاءوا للدمار والخراب، فصفقوا عائدين بالخزي وعار قتل الأطفال والرضع.

انتصرت إرادة المقاومة، على كل من عاداها من أبواق فقه الهزيمة ودعاة الاستسلام للعدو تحت وهم السلام. انتصرت الضواحي التي بدأت تخرج من تحت الركام وهي أشد إصراراً وأكثر عزيمة على إعادة الإعمار، وإقبالاً على صنع الحياة. تلك هي معادلة النصر الحقيقية، التي يجب أن تفقأ عين كل من توهموا انتصار الأعداء.

طلعت إسماعيل