هل يستمر صمت المدافع حول الخط الأزرق بعد انتشار الجيش اللبناني وزيادة عدد قوات اليونيفيل الأممية؟ وهل سيمكن تطبيق القرار الدولي الأخير الذي تم تمريره بالإجماع رغم افتقاره للعدالة والتوازن؟، ولأنه لا أحد يحب الحرب إلا المجانين، ولا أحد يريد الحرب إلا تجار الحروب المغرورين،
فلا مقاومة ولا حزب الله ولا لبنان ولا أحد من العرب والمسلمين يريد القتال لمجرد القتال ذاته وفي الأدبيات الإسلامية أن القتال قد يفرض على المسلمين وهم كارهون، ولهذا فشعوبنا تريد السلام، والمقاومة التي تفرزها شعوبنا قتالاً ضد الاحتلال ورفضاً للاستسلام إنما تسعى للسلام، والجيوش العربية والإسلامية ليسوا طلاب حرب، ولا معتدين ولكنهم جنود حرب إذا فرضت عليهم الحرب، ومدافعين عن أرضهم إذا تعرضت للعدوان.
لكن السلام الذي تسعى إليه شعوبنا نقيض الاستسلام، ونقيض الاحتلال، ونقيض القبول بالعدوان، لأن معنى السلام لا يعني مجرد صمت المدافع ورفض مبدأ القتال والمقاومة والدفاع عن الإنسان والأوطان، بل يعني السلام الضامن للحقوق، والقائم على العدل.
ولأن السلام لا يمكن عملياً ولا واقعياً أن يتحقق في ظل احتلال للوطن أو لجزء منه، ولا يمكن أن يستقر سلام في المنطقة إذا كان هناك من هو في طبيعته العدوان، أو تقوم مشاريع سلامه على الظلم أو الاعتماد على قانون القوة وليس قوة القانون،
وحين تفرض على الشعوب القرارات الدولية لا تتطابق مع مبادئ العدالة الدولية، ولا مع مبادئ القانون الدولي باسم الشرعية الدولية، وباسم الاستقرار، وباسم السلام، فإن مثل تلك القرارات الفاقدة للعدالة أو للتوازن تكون فاقدة للواقعية أيضاً إذ أنها لن تنجح في فرض السلام بقدر ما ستنجح في ضرب قواعد حقيقية، وفي إشاعة حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار.
ومن هنا ومع تجاهل مطالب لبنان الموضوعية المتوازنة المتمثلة في النقاط السبع، ومع تحفظات العرب المنطقية على القرار 1701، ومع الثغرات التي تعتري بنود وصيغة هذا القرار يكون السؤال منطقياً حول مدى واقعية تطبيقه وعن مدى إمكانية صموده كأساس لفرض اللا قتال واللا مقاومة واللا حرب ومدخلا صالحاً على المدى لصنع السلام.
فإذا انطلق هذا القرار من مقدمة تقول أن هذه المعركة بدأت باعتداء حزب الله على جنود إسرائيل مخترقاً الخط الأزرق فإن النتيجة ستكون أن حزب الله يتحمل مسؤولية نشوب هذه الحرب، وإن إسرائيل في موقف المدافع عن نفسها لا نتحمل أي مسؤولية لا أخلاقية ولا قانونية ولا سياسية عن المجازر ضد المدنيين، وعن اختراق الخط الأزرق، وعن تدمير البنية الأساسية المدنية بالرغم من أنها جرائم حرب في القانون الدولي.
وإذا كانت هذه المقدمة غير موضوعية وغير صحيحة تكون النتيجة بالتالي غير منطقية وغير عادلة في ظل عدة حقائق تنقض وصف هجوم حزب الله وأسر الجنديين في عملية عسكرية محدودة ومحددة بأنه اعتداء وبأنه المسؤول عن نشوب هذه الحرب.
.. إذا سلمنا جدلاً أن عملية 12 يوليو تعتبر اعتداء في نظر هؤلاء القضاة العالميون في مجلس الأمن ومن والاهم، فكم اعتداء قامت به إسرائيل على الأراضي والأجواء والبحار اللبنانية منذ انسحابها الاضطراري تحت ضربات المقاومة عام 2000 من جنوب لبنان، وليرجعوا في هذا إلى ما سجله المراقبون الدوليون أنفسهم عن هذه الاعتداءات التي حدثت بالعشرات،
وليسألوا في هذا السيد «لارسن» الذي حذر من اعتداءات إسرائيل على الأجواء اللبنانية التي تهدد السلام في المنطقة ثم يسألون أنفسهم كم مرة سمحت الولايات المتحدة وفرنسا للبنان أن يقدم شكوى ضد الاعتداءات الإسرائيلية، وكم مرة أدان مجلس الأمن اعتداءات إسرائيل المتكررة إذا عرضت عليه؟ بل كم مرة كان الفيتو الأميركي يعترض طريق العدالة ويقف حامياً للعدوان الإسرائيلي ضد لبنان؟،
فإذا حدث رد على هذه الاعتداءات باعتداء واحد فهل تكون العدالة الدولية في تدمير لبنان، وارتكاب المذابح ضد شعبه وارتكاب جرائم الحرب، وممارسة إرهاب الدولة الصهيونية بحماية أميركية، ثم بعقاب لبنان كل لبنان بقرار يحمله مسؤولية هذا الإجرام العدواني بالقول بأنه ناتج عن اعتداء حزب الله وأسر الجنديين؟!
وإذا كانت إسرائيل تحتل أرضاً لبنانية هي مزارع شبعا رغم القرارات الدولية أليس الاحتلال هو أعلى مراحل العدوان يا مجلس الأمن؟ وألا يتيح ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الشعب اللبناني مقاومة هذا الاحتلال العدواني بجميع الوسائل رداً لهذا العدوان؟،
وإذا جاء وفد مجلس الأمن متهالكاً وضعيف المنطق بأن شبعا هي أرض سورية محتلة عام 1967 وليست أرضا لبنانية محتلة عام 1982، فلا يعني هذا أنها أرض عربية محتلة يعتبر استمرار احتلالها عدوانا مستمرا على سوريا فضلاً عن لبنان وتحدياً لقرارات المجلس نفسه 425,242 والتي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها بالقوة سواء في عام 1967 أو 1982؟!، وألا يعني ذلك أن استمرار هذا العدوان على الأرض هو المسؤول عن أي حرب عادلة تحريراً للأرض وتطبيقاً لهذه القرارات ورداً لهذا العدوان؟!
وإذا خرجت بعض الأصوات في مجلس الأمن بحجة فارغة تطالب بإثبات لبنانية مزارع شبعا وعدم سوريتها كتابة حتى تمكن تعديل القرار 425، فالسؤال هو.. إذا كانت لبنان تطالب بها، وليس أمام مجلس الأمن طلبا سوريا رسميا بها، فهل يعني ذلك في مجلس الأمن أنها سورية بالرغم من إرادة سوريا؟! بل بالرغم أيضاً من إرادة لبنان؟! ما هذه المواقف غير العادلة وغير الفاهمة وغير المتوازنة يا مجلس الأمن؟!
mamdoh77t@hotmail.com