المثقف العربي ومنذ عقود تحكم علاقته بالسلطة مخاوف قد تكون حقيقية وقد تكون مضخمة لكن الخوف حاضر في العلاقة بينه وبين السلطة فالاعتقال والنفي وأحيانا الاغتيال رسمت ملامح هذه العلاقة حتى باتت الثقافة قرين الخوف في الوعي العربي وتراث الأدب العربي مليء بأدب السجون والمنافي تعبيرا عن هذه الحقيقة المرة، لكن الممارسة السياسية العربية طرأ عليها خوف جديد هو خوف المثقف من الشارع الذي أصبح سلطة لا تقل استبدادا عن سلطة الحاكم وأجهزته الأمنية.

والخوف من الشارع يدفع المثقفين أحيانا إلى إخفاء قناعاتهم ورفع شعارات شعبوية جماهيرية بدلا منها حرصا على رضا الرأي العام، وهذا الخوف الجديد الذي يتنامى باطراد مع تنامي سطوة الفضائيات العربية التي أصبحت ميدانا للصراع على وجدان الجماهير وساحة تنافس للفوز بالنصيب الأكبر من إعجابهم.

ومع ازدياد هذا المد الشعبوي الجماهيري أصبح تعامل المثقفين مع القضايا المطروحة يتسم بتضاؤل ملحوظ لمساحة التحليل العقلاني لتحل محله مواقف حدية زاعقة تدغدغ المشاعر وتستدر صيحات الإعجاب حيث المزاج الجماهيري لا يحتمل ترف الفصل بين التحليل والتبرير، وهو ما تعبر عنه بصدق القصة الساخرة الشهيرة عن الطبيب الذي يستدعى لمريض ميئوس من شفائه فيعتبر زنطقهس بالتشخيص سببا في قتل المريض!

وعليه فإن كل أطباء التحليل السياسي العربي الذين يعون هذا الدرس جيدا يفر كل منهم «فراره من الأسد» من ورطة أن يكون هو من يعلن أن المريض ميئوس من شفائه. ومزاج الجماهير هو مزاج مواجهة وحشد ورفض لا يعرف المواءمة التي هي أهم لوازم السياسة وبالتالي فإن كل حديث عن حلول وسط نوعا من الخيانة والعمالة و... إلى آخر قائمة التهم المعلنة على حد تعبير الشاعر المصري الراحل أمل دنقل!

والمزاج الجماهيري أيضا محكوم بفكرة القائد الذي تتبعه الجماهير دونما حاجة إلى كثير تفكير فهو مثالي ملهم مخلص يعرف الطريق جيدا وجنوده ليسوا في حاجة إلى التفكير بل قد تكون الدعوة للتفكير في كلام القائد أو الزعيم نوعا من التشكيك والدس والتخذيل وعندما يصبح الخطاب السياسي مقيدا بالزعيم ومكمما بالجماهير فليس أمامه مساحة ليقول شيئا مفيدا أو جديدا ويصبح كل ما يملكه أن يعيد إنتاج خطاب القائد ترديدا وتأكيدا.

وهذا المزاج الذي أصبح حالة عربية عامة يعيش بذاكرة اليوم الواحد وإذا عاد إلى الماضي كانت عودته انتقائية تختار ما يخدم القناعة المحددة مسبقا وكأننا أمام عملية علاج نفسي تتعامل مع عالم الوجدان وخيالاته لا مع عالم العقل والمنطق وحقائقه.

والسبب الرئيس للأزمة أن المسافة بين الخطاب السياسي والفعل السياسي اتسعت جدا خلال حقبة حكم نخب التحرر الوطني التي أرادت تأكيد سلطتها على مشاعر الجماهير فأضفت قداسة علة واقعة رحيل الاحتلال ثم رسمت صورة وردية لكل ما جاء بعده، غير أن غياب مفهوم المسئولية الأخلاقية للمثقف لعب هو الآخر دورا مؤثرا في استشراء هذا المرض ولو تذكر كل منهم أنه رائد وأن الرائد كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يكذب أهله» لكان الواقع مختلف تماما ولكانت الفجوة بين الممكن والشعار أقل بكثير.

وتشكل قضيتا العلاقة مع الغرب والصراع العربي الصهيوني مثالين معبرين عن هذه الأزمة فرغم أن العلاقة مع الغرب بشقيه الأميركي والأوروبي مليئة بالخبرات السلبية إلا أنها لم تصل إلى الحالة التي يكون الصراع فيها حتميا كما يبدو من سيل الخطاب الصدامي الذي تمتلئ به الفضائيات العربية والمسافة بين ما هو قائم وبين ما يجب أن يكون يفضحه التناقض الصارخ بين ما يقوله المثقفون للناس وبين ما يقولونه في مجالسهم الخاصة،

فمثلا إعلامي عربي مقيم في لندن عرف بخطابه القومي المتشدد وكان حتى سقوط نظام صدام كانت جريدته من المدافعين عن «صموده التاريخي» بينما هذا الإعلامي المستتر وراء قناع مناهضة الامبريالية الأميركية كان يصارح المقربين منه بأن نظام البعث العراقي «نظام غبي» وأن أميركا سوف تسدي خدمة جليلة للشعب العراقي بإنقاذه منه،

وفي موقف مشابه ظهر أحد أشهر أساتذة العلوم السياسية المصريين على شاشة الجزيرة ليندد بلغة نارية بالاحتلال الأميركي للعراق وعدوانه على القانون الدولي وسيادة هذه الدولة وبعد ساعات يجلس على مائدة العشاء مع أصدقاء فيصرح بأن الأمل الوحيد للإصلاح هو تغيير الأنظمة الاستبدادية من الخارج بالقوة مؤكدا أنه ليس مستعدا لأن يخسر «الرأي العام» إن هو أعلن قناعاته.

وفي واقعة أخرى صرح قيادي إخواني مصري أن الجماعة لا تعتبر معاداة أميركا موقفا مبدئيا ولا تشارك القوميين واليساريين عداءهم الجذري لها لكنهم لا يستطيعون إعلان ذلك خوفا من رد فعل القواعد التي تربت على معاداتها، بل وصل الأمر إلى حد أن عالما مصريا جليلا شغل منصبا مرموقا في مجال الإفتاء أفتى فتوى في شأن الحجية التشريعية للأحاديث النبوية ورفض نشرها خوفا من رد فعل الرأي العام وكشف عنها بعد وفاته بسنوات،

ما يعني أن مرض الخوف من الجماهير امتدت أعراضه من لغة الخطاب السياسي إلى الإفتاء الشرعي. وفي الصراع العربي الصهيوني ما زالت النخب الثقافية تطرح ما كانت تطرحه في حقبة الحرب الباردة وهو انعكاس لحقيقة أن الجماهير تؤمن بقدرة «الإرادة» أكثر مما تؤمن بتأثير الحقائق والوقائع فالمنتصر في تصورها هو من يملك إرادة النصر لا من يملك مؤهلاته وبالتالي لا يشغلنا بشكل جاد تخلف علمي أو تقني أو فقر أو فساد يقدر ما يشغلنا إلى حد الهوس أن يتحدث أحد عن هدنة أو تغيير في ترتيب الأولويات لبناء البيت العربي من الداخل - وهو من أهم الشروط الموضوعية للانتصار- فعندئذ يتحول الاجتهاد إلى جريمة يستحق مرتكبها الشنق لأنه يخدم «أجندة العدو» و....

والازدواجية بين الحقيقي والمعلن عندما تنتقل إلى النخب فإنها تمسخ الخطاب السياسي وتنتج تصورات مشوهة ومن يمسكون دفة توجيه الجماهير يستطيعون في هذا المناخ خنق كل رأي مخالف وهو مشهد يشبه في نتائجه المشهد السوفييتي قبل جورباتشوف حيث تم خنق كل دعوة للمصارحة والمراجعة ولكن الجماهير هنا حلت محل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي وأجهزة الأمن السياسي فأصبحت الجماهير عبئا على من شاركوا في حشدها وأصبح المثقف «جرسونا» (نادلا) يقدم لسيده ما يريده بعد أن كان رائدا يستدل الناس بمسار خطواته. والويل لأمة تقودها الجماهير.

كاتب مصري