عقب لقاء استغرق عدة ساعات مع السيد حسن نصر الله، سألني أستاذنا وكاتبنا الكبير محمد عوده (شفاه الله من المحنة الصحية التي يمر بها) عن رأيي فيما سمعناه، وكان ذلك بعد حرب تحرير الجنوب اللبناني الأولى، وكانت الملاحظة الأولى عندي اننا لسنا فقط أمام قائد لكتائب مقاومة بل أمام «رجل دولة» بكل معنى الكلمة. وكان هذا عاملاً أساسياً في نجاح حزب الله في أن يجتاز الاختبار الطويل والصعب حتى ثبت أقدامه في الأرض اللبنانية.
وفي هذا اللقاء كان أكثر ما يهمني هو أن أعرف كيف استطاع الحزب أن يتحول من حركة يمكن أن تلبس ثوب الطائفية، إلى حركة مقاومة وطنية شاملة يلتف حولها شعب لبنان بكل طوائفه وبمختلف تياراته. وأسهب نصر الله يومها في الحديث عن إصرار قيادة الحركة طوال سنوات مقاومة الغزو الإسرائيلي التي امتدت لثمانية عشر عاماً حتى عام 2000 على البقاء خارج الصراعات الحزبية والتركيز على مهمة واحدة هي المقاومة وتحرير الأرض يخوضون المعركة من أجلها بروح الاستشهاد ولكن بعقلية واعية إلى أبعد الحدود بتضاريس الحياة السياسية في لبنان وكذلك بأوضاع المنطقة والصراعات الهائلة ومواقف القوى الإقليمية وأطماع القوى الخارجية.
في هذه الفترة رفض نصر الله كل محاولات جر الحزب إلى معارك أخرى تستنزف قواه وتبعده عن مهمته الأساسية. سواء من جانب قوى محلية أو حتى من جانب بعض الحكومات اللبنانية التي تتعارض سياساتها في هذه الفترة مع بقاء الحزب وتصاعد قوته. وتحمل حزب الله الكثير سواء من قوى الداخل أو الخارج ولكنه بقي في طريقه الذي اختاره لنفسه، واستطاع نصر الله ورفاقه ان يسيطروا على هذا المنهج حتى وجثث الشهداء تسقط بغير رصاصات العدو الإسرائيلي!
لم يكن هناك رد على الاستفزازات، ولا اشتباك حول قضايا خلافية مع قوى وأحزاب كانت تخشى من تصاعد نمو الحزب وتردد في الخفاء ما أصبحت تردده في الفترة الأخيرة حول سلاح المقاومة ولمن سيكون النصر عندما يتحقق؟!
وفي هذا اللقاء كان نصر الله حريصاً على إبراز دور كل قوة على الساحة اللبنانية ساهمت في النصر ولو بدور صغير، وكان سعيداً باحتضان لبنان بكل طوائفه للمقاومة، وكان فخوراً بالطبع بالدور الذي أداه مقاتلو الحزب الذين حاربوا وضحوا واستشهدوا ودفعوا الثمن غالياً، ولكنه كان يعرف ان ذلك كله لابد ان يوضع في مكانه الصحيح.. فالنصر كان للبنان كله، والحزب لا ينبغي أن يبحث عن ثمن لتضحياته، بل عليه أن يستمر في أداء دوره ـ بالروح الاستشهادية نفسها ـ حتى يتم التحرير وحتى يكتمل بناء الدولة، وإذا كان له من دور في الحياة الحزبية وفي الحكم فهو في ظل هذا الإطار.
مع اندلاع العدوان الإسرائيلي الهمجي لتدمير لبنان في 12 يوليو الماضي، كان الموقف قد تغير كثيراً وكانت سنوات ست قد مرت على انسحاب إسرائيل من الجنوب، وكان لبنان قد شهد تغيرات دراماتيكية منذ اغتيال رفيق الحريري، ثم خروج القوات السورية، وتزايد الدور الأميركي ـ الفرنسي في لبنان، والانقسام الحاد بين ما أصبح يعرف بقوى 14 آذار..
وبين تيار آخر يقوده حزب الله وأمل مع الجنرال عون وبعض القوى الأخرى، وكان الحوار الوطني الذي انطلق لمحاولة الوصول إلى تسوية بين التيارين قد وقف في النهاية عند قضيتين : رئاسة الجمهورية ونزع سلاح حزب الله. وفي حين أيقن فريق 14آذار انه لن يستطيع إسقاط لحود وارتضى الإبقاء على الأوضاع، فإن قضية سلاح حزب الله كانت ومازالت مطروحة للنقاش، وإن كان الجميع يدركون أن الحسم مؤجل لحين استعادة مزارع شبعا وبقية المناطق المحتلة.
بالطبع كان هذا كله في أذهان المخططين لهذه الحرب اللاأخلاقية في واشنطن وتل أبيب وهم يستغلون العملية العسكرية لحزب الله التي قتل فيها ثلاثة من جنود حزب الله العدو وأسر اثنين لكي يبدأوا حرباً تم التخطيط لها مسبقاً لتدمير لبنان.
وهكذا.. مع بداية حرب تدمير لبنان انطلقت أطراف في الداخل تتحدث عن حرب أطلقها الحزب لمصلحة أطراف خارجية. وبدأت أصوات عربية تتحدث عن المغامرات «المجنونة» أو «غير المحسوبة» بينما الآلة الإعلامية الصهيونية الأميركية ـ الإسرائيلية تروج للعملية «النبيلة» التي تخوضها إسرائيل بدعم أميركا كجزء من الحملة على الإرهاب التي أطلقها الرئيس المؤمن جورج بوش بتكليف إلهي وبتخطيط اللوبي الصهيوني اليميني الحاكم.
وبدا لوهلة ان حزب الله يقف وحيداً في المعركة، لكن ذلك الوضع لم يستمر طويلاً وجاء التغيير السريع مع الهمجية الإسرائيلية في عدوانها، والغباء السياسي الأميركي، ثم الصمود البطولي لمقاتلي حزب الله، والصمود الأكثر بطولة لمواطني الجنوب اللبناني وللشعب اللبناني بكل طوائفه الذي أدرك حجم المؤامرة وعرف أن المستهدف هو لبنان ودوره ووجوده وليس حزب الله.
وهنا يأتي الوجه الأفضل لأداء حزب الله في هذه الحرب. فمع المقاومة البطولية التي فاجأت الجميع، جاء الأداء السياسي المتميز، وظهر وجه «رجل الدولة» عند حسن نصر الله، بدءاً من تفويضه لنبيه بري ليتحدث ويفاوض ويقرر بإسم حركة أمل وحزب الله معاً، إلى الموافقة على خطة السنيورة بنقاطها السبع رغم بعض التحفظات التي أبداها وزراء الحزب في الحكومة اللبنانية،
إلى الإعلان عن الالتزام بما تقرره الحكومة بشأن ما يتخذ من قرارات في مجلس الأمن في ضوء الإجماع الوطني اللبناني الذي رفض المشروع الفرنسي وأصر على موقفه في لحظة بدا فيها أن هناك توافقاً أميركياً ـ فرنسياً، لكن هذا التوافق سقط أمام بسالة المقاومة وصمود الشعب اللبناني والإجماع الذي تحقق بين قواه الأساسية وأمام الفشل الذريع للآلة العسكرية الإسرائيلية رغم الدعم الأميركي الذي لم يتوقف في تحقيق أي إنجاز حقيقي على الأرض إلا التدمير المتعمد للمدن والقرى اللبنانية والقتل المتعمد للأطفال والنساء.. ويا له من إنجاز!
وبنفس الموقف المسؤول كان قرار حزب الله بالالتزام بموقف الحكومة الموافق على قرار مجلس الأمن رقم 1701 لتبدأ بعد ذلك مرحلة قد تكون الأصعب في نضال الحزب، ليس فقط بمواجهة آثار الحرب من دمار شامل وهو ما بدأ الحزب في التعامل معه عبر ما أعلن عنه نصر الله من تدبير مساكن لخمسة عشر ألف أسرة دمرت مساكنها والبدء في أعمال التعمير للجنوب، ولكن ستبقى الاستحقاقات السياسية هي الأهم خاصة وقد بدأت بعض الأطراف تطرح قضية نزع سلاح الحزب حتى قبل ان يتم انسحاب قوات العدو الإسرائيلي من الجنوب.
وربما يكون عدم حسم قرار مجلس الأمن الأخير لقضية مزارع شبعا قد منح حزب الله وباقي الأطراف اللبنانية الفرصة للتعامل بهدوء مع هذه القضية من خلال الحوار الداخلي، ولكن هذا لا ينفي ان الضغوط الخارجية ستستمر خاصة مع تصاعد الأزمة الداخلية في إسرائيل، فالجيش الإسرائيلي لن يتقبل الهزيمة بسهولة، ورئيس الحكومة الإسرائيلية «المهزوز» يعلن أن إسرائيل ستتعقب قادة حزب الله في أي مكان وزمان ودون التقيد بأية قوانين أو التزامات دولية، والولايات المتحدة من جانبها تريد انجازاً ظاهراً في المنطقة قبل انتخابات نوفمبر المقبل، والقوى السياسية اللبنانية تعيد ترتيب أوضاعها استعداداً لحسم قضايا عديدة مؤجلة وقضايا أخرى استجدت مع الحرب ونتائجها.
إن الأساس في مواجهة الموقف هو ان يستمر حزب الله في التصرف بمسؤولية، وان يستمر نصر الله في التعامل بمنطق «رجل الدولة» الذي تعامل به حتى الآن، هذا المنطق الذي جنب لبنان ويلات كثيرة، ويستطيع بالتأكيد ان يجنبها الكثير إذا استطاع حزب الله ان يحتفظ للمقاومة بموقعها كنقطة إجماع وطني بدلاً من أن تصبح فريقاً في صراع داخلي يريد البعض من المتآمرين على لبنان ان يجروها إليه.
إن كثيراً مما يواجهنا جميعاَ في لبنان يعتمد على ترسيخ الوحدة الوطنية اللبنانية التي تجلت في أعظم صورها في مواجهة الحرب الإسرائيلية النازية، والتي ينبغي ان تزداد رسوخاً في المرحلة المقبلة انطلاقاً من حقيقة ان النصر الذي تحقق هو نصر لبنان بكل طوائفه وتياراته.. فالكل ضحى والكل دفع الثمن والكل عليه ان يشعر انه شريك في هزيمة العدوان الذي استهدف لبنان ودوره وصيغته الرائعة في التعايش والتسامح.. وايضاً في المقاومة التي أعطت للعرب جميعاً درساً جديداً في أنهم قادرون على الانتصار..
إذا أرادوا!! إن ثقتي كاملة ان نصر الله سيقود حزب الله بمسؤولية «رجل الدولة» الحقيقي، ومن موقع الشراكة الحقيقية مع الجميع في تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة كما تحملوا مسؤوليات مواجهة الحرب واجهضوا كل محاولات زرع الفتنة الداخلية. لقد انتصر لبنان بكل طوائفه. انتصر لنفسه ولعروبته ولدوره الذي ينبغي أن نحافظ عليه، ولصيغته التي تفضح عنصرية اسرائيل ولا اخلاقية من يدعون محاربة الإرهاب وهم يمارسون أبشع صنوف إرهاب الدولة.
انتصر لبنان لنفسه ولنا.. ولا نريد هنا ان نستعيد المواقف العربية الرسمية التي أبقت لبنان وحيداً في مواجهة العدوان، ولكن السؤال الآن: هل يستطيع العرب ان يساعدوا لبنان على عبور المرحلة الصعبة المقبلة، والتي يحتاج فيها للدعم الاقتصادي والمساعدات العاجلة، ولكنه يحتاج أكثر إلى تثبيت وحدته الوطنية ومواجهة محاولات جره إلى حروب داخلية تحقق ما لم يتحقق من العدوان الإسرائيلي؟
لقد انتصر لبنان لنفسه ولنا، ومهمتنا الآن ان ننتصر نحن للبنان ولأنفسنا بأن تصب كل الجهود العربية في مجرى واحد يحافظ على سلاح لبنان الأساسي وهو وحدته الوطنية التي صمد بها أمام العدوان وخرج بها منتصراً يزهو بعروبته غير المشروطة.. فهل يساعده العرب جميعاً بدعمهم غير المشروط الذي لا يستهدف إلا الحفاظ على لبنان المنتصر لعروبته.. وللمقاومة؟!
نقيب الصحافيين المصريين