هي ليست «المنظمة» ولا «الحزب» ولا حتى «الطائفة»، صدقوني ولا حتى سوريا أو إيران الحليفة لهم. السبب الأساس وراء صمودهم ومن ثم انتصارهم «المعجزة»، هو شيء يشبه الا،عجاز كان يسدد صواريخهم في مارون الرأس ومرجعيون وسهل الخيام وعيتا الشعب وياطر ووادي الحجير!

ليس في الأمر مبالغة أو تحشيداً لأدبيات الملاحم وسير التاريخ، بل هو سير في ثقافة المقاومة والاستشهاد. انها قصة «فتية» آمنوا بربهم فزادهم الله هدى وإيماناً، عندما تقرر جماعة من «المؤمنين» اعارة جمجمتها لله وتصمم أن «تزول الجبال ولا تزل» ولا تهوى ولا تعشق سوى رضا الله، وقع الموت عليها أم وقعت هي على الموت وأن آخر همها واهتمامها كيف سيوظف هذا الموقف في معادلة السلطة والقوة وحب الجاه والظهور على الناس بـ «زهو» الانتصار واستعراض القوات!

إنها معركة قيم تشرب بها الناس في كل تضاريس الوطن والبلاد لا يمكن «القبض عليها أو «اعتقالها» أو عزلها، كما يتم القبض على المجموعات وأفراد المنظمات والفصائل تماما كما لا يستطيع أحد نزع سلاح مقاومتها كما تجرد «الميليشيات» من السلاح!

أنت لا تعرفهم أصلاً ولا تعرف أماكنهم النهائية والثابتة كما لا تعرف ، حتى وان تعرفت على بعضهم أو «بعض بأسهم» إذا ما كانوا مهتمين أصلاً بما يعرف بمطبخ صناعة القرار والسلطة وسائر مظاهر السياسة وإغراءاتها المعروفة! فكيف إذن تريد «تجريد» أناس: لا تعرفهم ما «لا يملكون» أو «تفكيك» من هم عناصر ملح، ذائبون في الناس الممتدين جنوباً حتى بيت المقدس، وما بعد بيت المقدس.

هل سمع أحدكم يوماً أن قوة مهما علت أو عظم جبروتها استطاعت تفكيك الناس أو تجريدهم أسلحتهم؟! انه الوهم الأكبر الذي لا وهم بعده. وحدهم السذج أو المصابون بعمى الألوان أو جنون العظمة يمكن لهم أن يتصوروا ما ليس قابلاً للتصوير.

لقد وضعت الحرب أوزارها نعم! ولكن ثمة شعب كامل كان ولا يزال يعتقد بأن السلاح زينة الرجال كما علمهم وثقفهم إمامهم موسى الصدر، وثمة شعب كامل كان ولا يزال وسيظل يعتقد ان المقاومة وحزب الله هو الذي فسر له سر قوته وبقائه.

وبلور أبعاداً جديدة لهويته التي ظلت موضع شك وتساؤل على مدى عقود، إن لم تكن قرونا، وثمة شعب كامل كان ولا يزال يعتقد بأن مواجهة الشر المطلق ومواجهة الغدة السرطانية المحيطة والمحيقة به لا يمكن أن يصمد ويبقى فضلاً عن أن يتعافى ويشفى من هذا المرض إلا بالمناعة التي توفرها له المقاومة وحزب الله وانه لا حل لمقارعة هذا التحدي إلا «بمجتمع الحرب والمقاومة» الذي كان يطالبه به الإمام موسى الصدر.

ومن ثم أخيراً وليس آخراً، فإنه وبعد سلسلة التجارب المتراكمة والاختبارات المتتالية والامتحانات الصعبة التي مر بها هذا الشعب المقاوم والتي لم ير فيها حلم الدولة العادلة والمطمئنة والقوية والقادرة التي لطالما تشدق بها البعض، ولا «بشائر» التسويات والحلول السلمية أو المبادرات الإقليمية أو الدولية قدمت له شيئا يذكر،

أو فتحت باباً من أبواب الحياة الكريمة والعادلة له في الوقت الذي لمس فيه بكل جوارحه وبكل جوانب تكوين الوعي الروحي والمعنوي والمادي والسياسي والعسكري والأمني والجغرافي والتاريخي بأن مراده ومناله وكل ما أحب وما يمكن أن يحب لا يتحقق ولن يتحقق إلا بالمقاومة الشعبية التي اختار والحزب الذي انتخب والقائد الذي بايع وعاهد،

فكيف إذا نريد منه ونتوقع أن يسلم ما هو ملموس ومعلوم وقابل للعدد وللحساب والمراهنة، إلى ما هو المجهول بكل أبعاده؟! هذا في أحسن الأحوال وأكثر الاحتمالات تفاؤلاً، وأما إذا أضيفت له تجربة الحرب الأخيرة والعدوان الغاشم الذي لم يبق أي أمل لدى أي فرد من أفراد هذا الشعب العظيم ليس فقط بالدولة التي يفترض أن ينتمي إليها حسب الأوراق الثبوتية التي يحملها

بل انه صار يشكك أصلاً بمفهوم «الدولة» نفسها اللهم إلا أن تقوم على قاعدة ومفاهيم وقيم المقاومة والاحتماء بسياج شعب المقاومة الذي له وحده فقط فضل احتمال تشكيل شبكة الأمان التي يرنو إليها والتي هي أحوج ما يكون إليها بعد حجم الدمار والخراب الهائل الذي تعرض له، فكيف نريد منه أن يسلم سلاحه أو يفكك حزبه؟!

ان أي مراقب ومتتبع عاقل ومنصف يقترب قليلاً فقط مما حدث على الأرض اللبنانية خلال عدوان الـ 33 يوماً يستطيع أن يستخلص حجم الوهم الكبير الذي يحاول ما يسمى المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي أو المحلي اللبناني حول إمكانية الولوج في مقولة تجريد المقاومة من سلاحها، ناهيك بما يسمى بـ «تفكيك» حزب الله!

يجردون من يا ترى؟! ويفككون من يا ترى؟! إنهم لن يجدوا ما يمكن جمعه ولن يجدوا من يجرؤ معهم في الدخول في مثل هذه الصفقة كائناً من كان بعد كل الذي حصل في لبنان!!

إن حال هذا الملف الذي يتحدثون عنه الآن يذكرني بكلام بليغ للجنرال أحمد مدني قائد بحرية نظام بهلوي الذي «تفكك» في بحر الجماهير التي ذابت بدورها كالملح أو السكر في قيادة الإمام روح الله الموسوي الخميني يومها، وذلك رداً على سؤال وجهته له إذاعة صوت أميركا: لماذا لا تقومون بانقلاب عسكري تستعيدون فيه السلطة؟! إذ أجاب: أليس علينا أن نعرف أولاً على من أو ضد من نقوم بالانقلاب؟ نحن لا نعرف من هم الذين يمسكون بزمام السلطة في طهران أصلاً!.

والرجل كان صادقاً بالفعل. إنه الأمر نفسه اليوم يتكرر في لبنان، لابد أنكم استمتعتم إلى شقيق أحد الشهداء وهو يتحدث على قناة المقاومة مباشرة بعد وقف العدوان، ومن بين أنقاض الضاحية الجنوبية لبيروت «عاصمة لبنان الحقيقية وخزان المقاومة والصمود» وهو يهدد بنبرة صريحة وواضحة وحازمة بأنهم «أي عوائل الشهداء» سيكونون أول من ينتفضون على حزب الله إذا ما فكر مجرد تفكير بتجريد المقاومة من سلاحها! إنه «شعب لبنان العظيم» الذي لا يقهر، أيها الأغبياء إنه شعب المقاومة الذي نهض واستوى عوده وأثمر على أنقاض «الجيش الذي لا يقهر»! والعودة إلى ما قبل 14 أغسطس باتت من رابع المستحيلات. إن كنتم تفقهون.

كاتب إيراني