ثلاث ملاحظات عامة حول قرار مجلس الأمن 1701 تبرز ملامح المرحلة الانتقالية التي أطلقها القرار وهي مرحلة مليئة بالتحديات وحسَّاسة وخطيرة جداً بالنسبة إلى لبنان:
أولاً: إن القرار جاء بمثابة إعلان عن هدنة تبقى هشَّة، هدنة انتقالية تبدو مفتوحة في الزمن بين وقف الأعمال الحربية، وهو مفهوم مبهم لا يستند إلى أي قواعد أو ترتيبات قانونية ويعبِّر عن أمر واقع، ووقف إطلاق نار دائم الذي له قوة قانونية تقوم على اتفاق واضح ومفيد للطرفين.
إنها هدنة تضع الصراع على مفترق طرق بين النجاح في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو سقوط الهدنة والعودة إلى احتمال الحرب المفتوحة في ظل احتفاظ إسرائيل «بحقها» حسب قراءة القرار، في الأعمال الدفاعية العسكرية التي يلحظها القرار بشكل ضمني وعن عمد عندما يشير إلى وصف العدوانية للحديث عن وقف الأعمال العسكرية الإسرائيلية.
إنها رحلة الألف ميل التي بقدر ما إن التسرّع في محاولة قطعها أمر خطير بقدر ما إن الدوران في حلقة مفرغة أمر خطير أيضاً.
ثانياً : إن القرار استطاع، من منظور لبنان، الحد من الخسائر من حيث مقارنته بالمشروع الأساسي للقرار وذلك من خلال التخفيف من درجة عدم التوازن التي كانت قائمة في المشروع. عكس القرار الذي كان أفضل الممكن لحظة توازن القوى على أرض القتال وفي أروقة الدبلوماسية بين المطالب والمطالب المضادة.
ثالثاً: إن القرار كرَّس منطق المرحلتين في إدارة عملية التسوية الأمنية على المسار اللبناني ـ الإسرائيلي، التسوية الأمنية التي سقفها اتفاق الهدنة العامة بين لبنان وإسرائيل لعام 1949 كما جاء في النقاط السبع اللبنانية، وليس التسوية السياسية السلمية كما يحاول أن يصوِّر البعض والذي ينتظر أن تأتي في إطار التسوية السلمية الشاملة العربية ـ الإسرائيلية وليس قبلها.
أمام الاستحقاقات الضاغطة للقرار وأولها بلورة قواعد للعمل أو ما يُعرف بلغة الأمم المتحدة بمفهوم العمليات بالنسبة لليونيفيل الجديدة في عددها ومهامها، الشرط الضروري الذي على أساسه ستحدد الدول الراغبة مبدئياً بالانضمام إلى قوات الأمم المتحدة اتخاذ قرارها النهائي وعلى ضوء الفقرتين الثامنة والحادية عشرة بشأن شروط إقامة المنطقة الأمنية بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، التي تشكل أول عقدة على أرض الواقع أمام تطبيق القرار 1701،
يطرح البعض إمكان إعمال قواعد تفاهم ابريل عام 1996 إلى حين تشكيل هذه القوات وإقامة المنطقة الأمنية، في حين يرى البعض الآخر أن قواعد التفاهم يجب أن تستمر وتتعايش مع وجود اليونيفيل الجديدة والجيش، وهو ما يصطدم كلياً بمفهوم المنطقة الأمنية وبالقرار 1701.
أمام بوادر التأزم الحاصل حول هذه العقدة التي هي المدخل لعملية الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، قد يكون المخرج من هذا الوضع التركيز على الفقرة العاشرة من القرار وتحديداً تلك العناصر فيها التي تدعو الأمين العام إلى توفير مقترحات لترسيم الحدود الدولية للبنان ومعالجة مسألة منطقة مزارع شبعا خلال فترة الشهر المعطاة للأمين العام،
بغية تحويل «المساعي والجهود» إلى قوة تطبيقية وإحداث التوازن المطلوب ولو بشكل لاحق بين عناصر القرار مما يسمح ببلورة إطار عملي ضمن أجندة زمنية محددة لتطبيق كل البنود في القرار بشكل متقابل ومتوازن ومترابط بين هذه البنود وبالتالي فكّ عقدة الفقرة الثامنة.
إن الأزمات الخطيرة والحاملة لمخاطر كبيرة والتي تنتج عن انسدادات قائمة في تطبيق أي قرار عادة ما تؤدي إلى دبلوماسية دولية خلاقة تسمح بتلافي الانفجارات القاتلة والتي قد لا يكون من الممكن أحياناً احتواء تداعياتها وحصر هذه التداعيات في حيِّز جغرافي وطني محدد.
فلا يمكن ولا يجوز أن يُوضع لبنان أم واحد من خيارين: خيار انقسام وأزمة داخلية أو خيار صدام وأزمة مع مجلس الأمن، كما لا يجوز أن يكون الانتظار في ظل المنسوب المرتفع جداً من التوتر والذي قد يؤدي في الظروف الراهنة وبعد شهر من الحرب على لبنان إلى الانهيار، لا يجوز أن يكون الانتظار البديل الوحيد عن لعبة الخيار كما هي مطروحة حالياً.
كاتب لبنان