انتصر حزب الله في الميدان.. تلك حقيقة تتجاوز النقاش، وانتصار المقاومة اللبنانية على الإرهاب الإسرائيلي هو انتصار لكل لبنان وللشعب العربي في كل مكان وللشرفاء والأحرار في العالم، وهزيمة للأشرار ولحلفاء إسرائيل ودعاة الهزيمة في مواجهة الهيمنة والعدوان.

وعلى عكس ما يتعامل به العالم مع المنتصر ومع المهزوم، وما درج عليه العالم من اعتماده أساساً لقرارات مجلس الأمن بأن يعطي للمنتصر عسكرياً من النتائج السياسية ما يتناسب مع حجم ما حققه من انتصار في الميدان، ومع رفضنا لتلك القاعدة التي تجعل القوة فوق الحق، وتعلي منطق القوة فوق قوة المنطق.

فإن القرار الدولي الفاقد للتوازن والمنطق رقم 1701 جاء مخالفاً لتلك القاعدة غير الصحيحة التي درجت عليها سابق القرارات الدولية بمكافأة المنتصرين ومعاقبة المهزومين، بغض النظر إن جاءت هذه المكافأة للمعتدين أو للمعتدى عليهم!

كما جاء هذا القرار مخالفاً أيضاً للقاعدة الصحيحة بأن أن تكون القرارات الدولية مطابقة لمبادئ العدالة الدولية ومستندة على صحيح القانون الدولي، وليس على فرض منطق القوة. وبذلك جاء القرار بشكل ومضمون لا هو مألوف ولا هو صحيح.

فبالرغم من انتصار حزب الله عسكرياً، فقد أعطى القرار المكاسب السياسة لإسرائيل، ليس انطلاقاً من انها هي المنتصرة وليس حزب الله، ولا إحقاقاً لحق لها، بل جاء القرار انعكاساً لموازين القوة السياسية في مجلس الأمن وليس لموازين النتائج العسكرية في ميدان القتال،

فعاقب من يستحق وأعطى مكاسب لمن لا يستحق متجاهلاً ما اجمع عليه لبنان من مبادئ سبعة للحل، وما اجمع عليه العرب من تأييد للإجماع اللبناني المتوازن، حيث جاء في النهاية انعكاساً لرؤية تنطلق من موقف العداء للعرب والمسلمين، ومن موقع القوة التي لا ترى الأمور إلا من نظرة ضيقة ترى العالم بمنظار صهيوني.

وهكذا عكس القرار الأميركي الفرنسي منطق القوة لا قوة المنطق! لقد أعطت واشنطن وباريس لتل أبيب ليس فقط أكثر مما تستحق بموجب نتائج القتال في الميدان، بل أكثر مما طالبت به أو توقعت بعد هزيمتها العسكرية المهينة، وخيبتها السياسية الثقيلة في جنوب لبنان!

بل الأدهى من هذا القرار انه بينما يعترف قادة العدو بالهزيمة العسكرية في تل أبيب، ويطالب الرأي العام الإسرائيلي بالمحاسبة والمحاكمة والإقالة للسياسيين والعسكريين أمام لجان التحقيق، يصر الرئيس الأميركي على خداع نفسه قبل فشله في خداع غيره بقوله «لقد مُني حزب الله بهزيمة عسكرية قاسية»!

في حين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي حين تحدث عما اسماه انتصاراً كان يشير إلى ما هو سياسي، ولهذا لم يكن غريباً أن يرحب «اولمرت» به قبل إقراره وان يشكر «بوش» عليه بعد إقراره قائلاً انه يلبي جميع مطالب إسرائيل.

فهل انتصر حزب الله عسكرياً ليخسر سياسياً ؟!

أم أن النتائج العسكرية والسياسية لهذه المعركة على المدى الطويل ستكون هزيمة قاسية ليس لإسرائيل في المنطقة فقط ولكن للمشروع الأميركي في العالم؟ فيما تبدوان أمام الرأي العام العربي والعالمي اخطر القوى العدوانية التي تهدد امن وسلام العالم، وغارقتين في مستنقعات الهزيمة العسكرية والسياسية في فلسطين وأفغانستان وفي العراق ولبنان.

ومن موقع الرصد الموضوعي لنتائج تلك المعركة، فقد يبدو واضحاً بصورة لا تقبل التشكيك أو المخادعة أن قوى المقاومة الإسلامية التي يمثلها حزب الله اللبناني هي التي انتصرت، وأن قوى الشر والعدوان الإسرائيلية الأميركية هي المهزوم الأكبر، تؤكد ذلك الحقائق التالية:

مجرد أن ينص في القرار الدولي على مطالبة حزب الله (وهو الحزب وليس الدولة ) وإسرائيل (وهي الدولة صاحبة الجيش الذي لا يقهر) بوقف الهجمات العسكرية، فذلك يعني أن مجرد وقوع منازلة بين حزب ودولة هي هزيمة للدولة.

إن فشل الجيش الصهيوني المدعوم أميركياً في احتلال قرية لبنانية واحدة هي «عيتا الشعب» وقهر مقاومتها، هي هزيمة مرة وقهر غير مسبوق للجيش الإسرائيلي المقهور، وان خسارة إسرائيل العسكرية في هذه القرية وحدها بمصرع 17 من جنودها وعشرات من دباباتها في الثمانية والأربعين ساعة التي سبقت سكوت المدافع وهي خيبة ثقيلة وهزيمة مرة.

إن مجرد قبول إسرائيل بقرار وقف القتال قبل تحقيق المهام العسكرية للجيش المقهور، وقبل تحقيق الأهداف السياسية للحرب العدوانية هي إعلان واضح للهزيمة العسكرية والإفلاس السياسي.إن جرائم الحرب القذرة التي ارتكبتها القوات الإرهابية الصهيونية ضد المدنيين الأبرياء اللبنانيين وليس ضد المقاتلين المقاومين ليست سوى محاولة لتغطية فشلها العسكري المهين.

ويكفي ان الحرب العدوانية الفاشلة لم تحقق إطلاق الأسيرين، ولم تقض على المقاومة، ولم تنجح في تفكيك حزب الله أو نزع سلاحه، كما لم تصل إلى الليطاني، بل لم تستطع دفع قوات المقاومة نحو الشمال. وبدلاً من استعادة الهيبة الرادعة أصبحت فضيحة أمام الرأي العام العالمي كدولة إرهابية مقهورة.

فمن الذي انتصر.. إسرائيل الإرهابية أم حزب الله المقاوم ؟

mamdoh77t@hotmail.com