وافقت إسرائيل على الدخول في مفاوضات بينها وبين حزب الله عبر وسطاء لإطلاق سراح الجنديين المختطفين الذين بدأت الحرب بدعوى فك أسرهما، مما يدل على أن حجة إسرائيل في إشعالها لتلك الحرب المدمرة كانت غطاء وذريعة لعملية أوسع خططت لها منذ مدة طويلة وبمباركة من الإدارة الأميركية!!

ولعل عمليات القصف الأخيرة تدل على مدى تغلغل النزعة العدوانية في نفسية الإنسان الإسرائيلي بالذات في أوساط قياداته العسكرية والسياسية، فحتى مصنع حلوى مشهور لم يسلم من ذلك القصف، ناهيك عن تدمير أحياء بكاملها دون النظر إلى مصير ساكنيها العزل. لكن لم نعدم أن نرى بروز أصوات من الإسرائيليين أو من اليهود في خارج إسرائيل من الذين انتقدوا تلك الشدة غير المبررة.

ففي مقالة بارزة على صفحات الغارديان البريطانية (9/8)، وهي مقالة أثارت كثيراً من ردود القراء بالذات بين اليهود، كتب ديفيد غولدبيرغ، وهو حاخام من كنيست اليهود الليبرالية في لندن ينتقد نزوع إسرائيل إلى استخدام القوة المفرطة التي لا تتناسب مع تعاليم الديانة اليهودية الصحيحة فضلاً عن خروجها على اتفاقية جنيف والقانون الدولي وتحديداً فيما يتعلق بمبدأ التناسب doctrine of proportionality بمعنى تناسب العقوبة مع الجرم.

ويذهب غولدبيرغ إلى أن عقيدة الدولة الإسرائيلية قد بنيت منذ نشأتها الأولى على مبدأ «رد الصاع صاعين» التي وضعها أول رئيس وزراء لها وهو بن غوريون. ويخلص إلى أن تطبيق هذا المبدأ الظالم - كما جرى في الحرب الأخيرة بنتائجها غير الواضحة - سيمهد الأرضية الخصبة لالتحاق آلاف الاستشهاديين وانضوائهم تحت لواء حزب الله لمحاربة إسرائيل.

تلك وغيرها من القضايا التي ثارت في لظى الحرب، وأخرى ستثور بعد أن وضعت الحرب أوزارها في كلا الجانبين: الإسرائيلي والعربي، ولعل أبرز تلك القضايا التي تثور عادة بعد انتهاء المعارك أو الحروب هي، من هو المنتصر؟؟

إن الشارع الإسرائيلي ولأول مرة في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية يعتبر أن جيشه لم ينتصر، فهو لم يستطع تحرير الجنديين المختطفين، وهي حجة شن الحرب بادئ ذي بدء، وهو أيضاً لم يستطع القضاء على حزب الله ومحوه والتخلص من ترسانة صواريخه ومنع استخدامها ضد المدن الإسرائيلية، كما أعلن رئيس وزرائه في بداية الحرب، وهو فوق هذا وذاك قد تكبد خسائر كبيرة بالذات في الأيام الأخيرة قياساً بالنتائج التي حققها!!

وإذا كانت الحرب ذراعاً للسياسة وامتداداً لها، فإن هذه الحرب قد أدت إلى نتائج سياسية هزيلة بالنسبة لإسرائيل، فتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701 بالشق الذي يخدم إسرائيل مشكوك في أمره، وهو الشق الذي يتكلم عن منطقة يحرسها الجيش اللبناني والقوات الدولية وتقع جنوب نهر الليطاني، فضلاً عن نزع سلاح حزب الله،

ومن يعرف تركيبة المجتمع اللبناني حق معرفة سيدرك مدى تعقد وتشابك تلك التركيبة التي لا تظل قواها الفاعلة وتحالفاتها على حال واحدة، بل هي متغيرة دوماً. ثم هل ستقف سوريا متفرجة وهي «تخرج من المولد بلا حمص» بغياب أي محاولة جادة لإنهاء مشكلة الشرق الأوسط التي جوهرها القضية الفلسطينية واستعادة الجولان المحتل؟؟

ولنا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي خير دليل وشاهد. فاجتياح لبنان في العام 1982 تلك الحرب التي أطلقت عليها إسرائيل «عملية سلام الجليل» والتي كانت قواتها بموجبه على مشارف بيروت بعد بضعة أيام من اندلاع الحرب، قد مهدت السبيل إلى قيام حزب الله.

ولم تهنأ إسرائيل بانتصارها الكاسح على منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من الجنوب وبيروت، فضلاً عن انتصارها على القوات السورية ومعها قوى الحركة الوطنية، إذ سرعان ما نشطت المقاومة ضد القوات الإسرائيلية لتخرجها من محيط بيروت أولاً ثم من جنوب لبنان لاحقاً في العام 2000!! فإذا كانت إسرائيل قد خرجت من لبنان مهزومة بعد انتصار العام 1982، فكيف سيكون حالها بعد أن منيت بالهزيمة في حربها الأخيرة؟؟

ولعل هذه الحرب قد بينت بما لا يدع مجالاً للشك «حدود القوة»، فإسرائيل متفوقة بالعتاد العسكري الحديث الذي تمتلكه والمقدم إليها من أفضل ما تنتجه مصانع السلاح الأميركية، وهي أيضاً متفوقة بالتنظيم والإدارة العسكريان، وجيشها يستطيع هزيمة الجيوش العربية ذات التركيبة التقليدية القائمة على مبدأ «الولاء للنظام وليس الكفاءة»،

بيد أن هذا الجيش الجرار لم يجلب لها السلام الدائم إلى الآن منذ اغتصابها لفلسطين قبل أكثر من نصف قرن. ولعل السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى أن إسرائيل تؤمن في قرارة نفسها بأن السلام مع العرب يجب أن يقوم على مبادلة «السلام بالسلام» - كما كان يصر شارون - وليس مبادلة الأرض بالسلام، كما أخذ يؤمن به قطاع كبير من العرب منذ سبعينات القرن الماضي.

ولذلك، فهي تحجم على الدخول مع الفلسطينيين في عملية جادة لبناء السلام قائمة على خلق دولة فلسطينية حقيقية، وهي تفوت كل مناسبة - كالحالية مثلاً - للدخول في حوار جاد مع سوريا حول الجولان، يدفعها ويشجعها على ذلك توجه الإدارة الأميركية الحالية.

يبقى أن نقول أن صمود المقاومة اللبنانية وهزيمتها للجيش الإسرائيلي قد أدخل المنطقة في «شرق أوسط جديد» قوامه أن الشعوب قادرة على تحقيق ما عجزت الأنظمة من تحقيقه!!.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com