منذ شهر من الآن، كان المؤمنون بقدرات المقاومة في تغيير المشهد الجغرافي ـ السياسي، قلّة قليلة. وعندما انطلقت يد المقاومة اللبنانية تردّ الأعداء وتصدّهم عبر الجنوب، كان هناك نزر قليل من الذين آمنوا بأن النصر يمكن أن يكون في غير جراب اسرائيل.
فقد غُرست في غالبيّة النفوس العربية ثقافة الهزيمة وثقافة العجز، فكان الانزعاج من أي ردّ فعل مقاوم ذي طابع شعبي، يزعزع تفكير الساسة والمخطّطين الاستراتيجيين العرب. على اعتبار أنهم جميعا، نهلوا من منابع الغرب الذي يحبط العربي منذ الولادة، وأنهم قد تبنّوا فكرة قائلة بأن العجز عربي.
هكذا قال القائلون، سنة 2000 لما ردّ أبناء فلسطين على قوات الاحتلال التي تطاولت على المسجد الأقصى بانتفاضة شعبية مجيدة، كما قالوا أيضا بأن قوّة اسرائيل قوّة لا تردّ، وليسلها مثيل في قوّة الردع.
ست سنوات انقضت والانتفاضة الفلسطينية ما تزال على أشدّها ثم فاجأت المقاومة اللبنانية كلّ العالم، بمن فيهم العرب، ولم تكن المقاومة العراقيّة قد أكملت مهمّتها ضد الاحتلال الأمريكي بعد.فمن قال إن الأمة العربية عاجزة، وغير قادرة على صدّ العدوان ودفع ثقافة الهزيمة الى غير رجعة؟
حين قال السياسي والمناضل جورج غالاواي في أحد اللقاءات الصحفية، إن العرب تنقصهم قولة لاء تكون قويّة وتسقط المشاريع المشبوهة التي تعمل على أن تكون فيها اسرائيل هي المتفوّقة والعرب في درجة سفلى، تعيش هي قويّة ويعيشون هم مسلوبي الارادة وبلا كرامة، كان هذا البريطاني على حق.
فقد خيّم على الواقع العربي، مناخ من الخنوع والتنازل عن الحق، الى حدّ أنهم بدأوا يثيرون أسئلة الحيرة في صفوف الأصدقاء والأعداء، إذ أن تاريخنا العربي كما وضعنا الجغرافي وإمكانياتنا من الثروات الطبيعية والبشريّة، تعدّ عناصر ايجابية تخدم بل وتدعم صورة متطوّرة ومشرقة للعرب، في حين يعمد التائهون الذين ليست لهم قضيّة يتلحّفون بها، الى بثّ روح الانكسار والعجز في الذات العربية، الى أن جاءت مظاهر للمقاومة في فلسطين أولا وفي العراق ثانيا وفي لبنان ثالثا، لتبيّن بأن العجز وهم، وأن النصر حقيقة.
اليوم، وبعد أن خابت نظريّة الخائفين والذين يظنّون بأن نهج التنازلات يمكن أن يؤمّن سلاما للأمّة، ها هي اسرائيل تغرق في جدل تقييمي ذي طابع مزدوج. فمن ناحية يتجادل الاسرائيليون حول حقيقة امكانياتهم وحقيقة تفوقهم النوعي في التسلّح، ومن ناحية أخرى، دخلوا مرحلة جدل قوي، حول حقيقة الامكانيات العربية في التصدّي لجرائم الاحتلال والهيمنة.
من قال إنّنا أمة عاجزة، نحيله على بطولات المقاومات الثلاث، لا في شكلها العسكري، بل في شكلها العقلاني والعلمي.إن كل مجزرة تقترفها اسرائيل في فلسطين أو في لبنان أو في العراق، على أيدي القوات الأمريكية وحلفائها، إنما هي تأكيد على عجز الاحتلال وقوة المقاومة.
كما أن كل ضغط ومحاولة التفاف على نصوص القانون الدولي الانساني الذي يجرّم الاعتداء على المدنيّين زمن الحرب هي الدليل أيضا على عجز الاعداء، أعداء الأمّة، وعلى فشل مشاريعهم التي يغمرون بها المنطقة في أكبر عملية استغفال للشعوب، لكنّها عملية لم تنجح، لأن الحيلة الاستعمارية لم تعد تنطلي على أحد.
من قال إنّنا غير قادرين على أن نكون كما شعب فيتنام وشعب جنوب افريقيا وشعب فينزويلا، هو واهم. وقد أثبت نصّ القرار الأممي 1701 وحده، هذه الحقيقة: نحن أمّة حيّة... ونحن لسنا عاجزين.وأن المطلوب إعطاء التاريخ فرصة ليأخذ مجراه، والشعوب فرصة لتتولّى صون الثوابت.